قصص قصيرة

د. تامر محمد عزت يكتب: حكايه في مقهى “حكاية “

قصة قصيرة

هو رجل طويل ونحيف صاحب عيون خبيثة غائرة ، ويمتلك ابتسامة لزجة تدل على أنه منافق من الطراز السوبر ، يعمل ممرضا لدى طبيب نساء وتوليد منذ سنوات معدودة، يوما ما كانت هناك مشاجرة قوية بيني وبينه عبر الهاتف الأرضي الخاص بالصيدلية بسبب نقص بعض المستلزمات الطبية التي يريدها ، فهو دائم الشراء كميات عجيبه من المحاليل الطبية المتنوعة والامبولات الخاصة بعمليات الولادة والسرنجات والكانيولا… الخ…كميات تصلح لعمليات وليست لعملية ولادة واحدة… ثم يأخذ ما يريده وبعدها يرد لنا ما لا يستخدمه ، ثم إن العيادة لا تعمل إلا مرتين فقط في الأسبوع!

لماذا كل هذه الكميات !؟

كان مدير الصيدلية قد نبهنا نحن
الصيادلة الصغار من تلك الألاعيب وحظي العثر قد أوقعني مع هذا الرجل الغريب الأطوار حتى قررت برعونة الشباب وتهور الفكر بدون إعمال العقل والذهاب إليه في العيادة وفضحه عند من يعمل لديه،هناك أمر غامض،غير مفهوم.
(حماس الشباب لا يكفي، لابد من الأدلة لهذه الاتهامات)

كانت تلك عبارة عم “سعد ” الرجل الثاني الذي يعمل في تلك العيادة… عم “سعد” على النقيض تماما من ذلك الخبيث فهو رجل طيب القلب صاحب وجه بشوش وابتسامة صافية نابعة من قلبه الأبيض وعندما سألني عن سبب زيارتي أخبرته بما حدث… سكت الرجل البشوش لثواني معدودة… ثم رفع عينيه ،ونظر مباشرة في عيني ويبدو أنه قرأ شيئا ما على ملامحي وسألني عن موعد انتهاء تدريبي بالصيدلية و أخبرته متعجبا لسؤاله، ثم طلب منّي لقائي عند مقهى ” حكاية ” لأسمع الحكاية.
داخل مقهى “حكاية”، حيث تتصاعد أعمدة الدخان لتختلط برائحة البن المحروق، كان الصمت بيني وبين عم “سعد” أثقل من أن يحتمل. وضع “سعد” سبابته على فمه محذراً، ثم اقترب برأسه حتى كادت أنفاسه تلمس جبهتي.

​عم سعد (بصوت مبحوح كأنه يخرج من بئر):
“اشرب قهوتك يا بني.. القهوة هنا مُرّة، لكنها أرحم من الحقيقة التي ستسمعها. هل سألت نفسك يوماً لماذا لا يبتسم ذلك الممرض ‘اللزج’ إلا عندما يرى فتاة ترتجف خوفاً في صالة الانتظار؟”
​أنا (أمسك الكوب بيدي المرتعشة): “ظننتها مجرد تجارة مستلزمات طبية ياعم سعد.. سرقات صغيرة من عيادة طبيب، لكن نظراتك تقول إن الأمر يتجاوز حدود العيادة.”
​عم سعد (يضحك ضحكة مكتومة وجافة):
“تجاوز الحدود؟ نحن نتحدث عن ‘مقصلة’ يادكتور، تلك الكانيولا والمحاليل التي توردها ليست لعلاج مرض، بل لغسل العار.. أو ما يظنون أنه عار. الطبيب الكبير، عم هذا الشاب، لم يعلمه الطب.. بل علمه كيف يمسك المشرط ليعيد ‘الوهم’ للناس.”
​أنا (باندهاش):
“تقصد عمليات الترقيع؟ لكن الطبيب الشاب يبدو.. يبدو غافلاً، كأنه يؤدي عملاً روتينياً!”

​عم سعد (يقترب أكثر، وتتغير نبرة صوته لحدة مرعبة):
“هنا تكمن المأساة”
سرد عم سعد حكاية يشيب لها الولدان.
​أنا (بصوت خفيض): “بمعنى أن الطبيب الشاب يعيش كذبة كاملة؟”

استطرد ​عم سعد كلامه وهو يشير بيده نحو الفراغ.

​أنا: “لماذا تخبرني أنا؟ لماذا الآن؟”
​عم سعد (ينظر في عيني مباشرة بنظرة غامضة):
“لأن الممرض الخبيث بدأ يشك في تساؤلاتك.. ولأنني سئمت من صمت القبور في تلك العيادة. غداً سيطلب منك الممرض كمية مضاعفة من ‘الأدرينالين’.. إذا وافقت، فقد أصبحت شريكاً في المسرحية.. وإذا رفضت.. فاحذر من العيون الغائرة التي تراقبك الآن من خلف زجاج المقهى.
*
الحكاية أو الجريمة الكاملة
(( هذه ليست عيادة نساء وتوليد بالمعنى الحرفي ، انها عيادة
لإعادة الحياة للبنات اللاتي فقدن غشائهن ..نعم… ترقيع غشاء
البكارة…طبيب مشهور وله عياده اخرى في الإسكندرية، وله أيضا نفوذ بسبب إخوته وعائلته ، منذ صغره و لديه هوس جنسي بالممرضات والمومسات ، وكانت تلك هي البداية… يخطأ ويصحح خطأه بإجراء عمليات الترقيع ، أصبح شهيرا بين المعارف بذلك… كان ” مسنودا” من رجال لهم نفوذ وكلمة…فهم يخطئون وهو يصحح أخطاءهم ، لذلك لم يُتهم يومابهذه الجريمة ، كان له أخ يصغره أكثر بشاعة منه.. لا يفيق أبدا من الخمر ولا المومسات ، وفي يوم ما أخطأ أخيه الغائب عن الدنيا مع ممرضة كانت تعمل بالمستشفى ومع الأسف.. حملت بين أحشائها جنينا ..رق قلبها لوليدها البكر ورفضت التخلي عنه،ولم يكن لديه حيله وتزوجها،وبعد أشهر، أنجبت طفلا.
استمر الحال حتى مات أخوه السكير فجأة بدون مقدمات.. واضطر هو لرعاية الإبن،كبر الابن ليصبح طبيب نساء وتوليد هو الآخر واستمد خبرة عمه الكبيرة في هذا المجال…
هذا الطبيب الشاب والذي يحمل نفس اسم الطبيب الكبير لم يكن إلا ابنه… وإلى تلك اللحظة لا يعلم أنه هو والده الحقيقي وليس عمه…فلم تكن خطأ أخيه… بل خطأه هو …واستغل غيبوبة أخيه الدائمة وأفهمه انها حامل منه… ثم نُسب زورا في الأوراق الرسمية إلى أخيه.
*
​المكان:
الصيدلية
الساعة العاشرة صباحا.

هدوء مريب، صوت طنين المكيف يبدو أعلى من المعتاد، عيناي لا تفارقان زجاج الواجهة الخارجي.
​دخل الممرض “اللزج”، لم تكن مشيته المعتادة التي تثير الاشمئزاز، بل كان يتحرك ببرود مرعب. وضع ورقة مجعدة على الرخام، وبصوت خفيض قال:
“نحتاج ضعف الكمية من الأدرينالين، وعلبتين ‘أتروبين’.. الطبيب الكبير لديه ‘حالة خاصة’ الليلة في القبو، ولا يريد أي مفاجآت.”
​تذكرت جملة عم سعد: «إذا وافقت، فقد أصبحت شريكاً في المسرحية».
​نظرتُ إلى الورقة، ثم إلى عينيه الغائرتين التي كانت تلمع بتهديد مبطن. قلتُ بصوت حاولتُ أن أجعله ثابتاً:
“الكمية المطلوبة تتجاوز المسجل في الدفاتر، أحتاج توقيع الطبيب أولاً.. أنت تعرف القوانين يا ‘منصور’.”
​ابتسم الممرض ابتسامة صفراء أظهرت أسناناً نخرها التبغ، وقال وهو يقترب مني حتى شممت رائحة “المطهرات” المنبعثة من ثيابه:
“الطبيب لا يوقع على أشياء لا يفهمها.. الطبيب ‘زينة’ يا دكتور، مجرد واجهة جميلة لمكان يحتاج ليدٍ قوية. لا تعطل العمل، فمن يرفض توريد الأدرينالين هنا.. قد يحتاجه هو نفسه فجأة لإنعاش قلبه.”
​في تلك اللحظة، لمحتُ عبر زجاج الصيدلية انعكاساً لسيارة سوداء تقف في الجهة المقابلة.. هل كانت هناك بالأمس؟ أم أن كلمات عم سعد جعلت كل شيء يبدو كفخ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى