مقالات

حكايات الأوّل والثاني والثالث بين الصدفة والفلتة والوصيّة

بقلم البروفيسور /حسين عبيد الشمري- العراق.
كنتُ أجلس في ركن غرفتي الباردة داخل المؤسسة التي أداوم بها، غرفة لم تُمنح استحقاقًا، بل بعد سلسلة طويلة من الإزاحات الصامتة ورمي الأغراض والتنقّل القسري، كأن وجود الأستاذ عبءٌ لا ضرورة له. الغرفة بلا أثاث، بلا فراش شتوي، بلا ذاكرة سوى جدران تعلمت الصمت أكثر من الكلام. فتحتُ ديوان مظفر النواب على ثلاث أمنيات في رأس السنة الجديدة، لا لأتمنى، بل لأفهم كيف تُهزم الأمنيات حين تدخل مبانٍ رسمية مُغلقة على غرائز السلطة، على الولاءات، وعلى عبثية النفوذ.

مرّ علينا الأوّل، عميد الصدفة. جاء كما تأتي الرياح في يومٍ عاصف، بلا مشروع، بلا رؤية، بلا معرفة بطبيعة المكان، لكنه يتقن الابتسامة كما لو كانت استراتيجية، وكلما سُئل عن فوضى أو خلل أو تناقض، قال لازمته: ((صدفة صارت… والوضع توّه حلالي )) صدفة صار عميدًا، صدفة وقع على مصائر أقسام وأسماء لم يحفظها، وصدفة غادر، تاركًا الفوضى تدير ما تبقى، تاركًا الضحك كملاذٍ وحيد لمن بقي يتابع العبث من بعيد.

ثم جاء الثاني، عميد الفلتة، متكبر، يرى نفسه ملاكًا بينما الواقع يصرخ بفوضى شيطانية. كرشه ترهل من الولائم والاجتماعات التي لا تُنتج سوى صورته، عقله بليد من كثرة التمثيل، لكنه يعتقد أن ابتسامة عابرة تجعل الجميع يحبونه. يحارب كل نجاح لا يملكه، يغار من كل ذكي، يتصابى ليعجب الفتيات الصغيرات، يعلن كل قرار فلتة وكل فلتة حسم، يحرك البشر والأقسام كما تُعاد ترتيب المقاعد، يغيّر، يبدّل، ينقل، ويصرّ على القول: ((خلصناها على خير )) بينما الخراب يتثاءب في الممرات ويضحك ساخرًا على محاولاته.

أما الثالث، عميد الوصيّة، فكان الأخطر، طماع العقل، مقاول بارع، يراقب ما في يديك لاهثا ، يعرف كيف يفسد العلاقة إذا لم تلقمه عظما، لأنه كما قال أهلنا: (يشگ الظرف على لطعة). موصى به من عصبة نافذة، علاقاته سابقة على خبرته، يفتتح كل حديث بلازمته: ((وصّوني…أوصيكم )) يغيّر المكان، يغيّر الأثاث، يغيّر السيارة، ويغيّر حتى تفاصيل العبور اليومية، كأن الذاكرة عدو يجب محوه. أُنهكت الخزينة من كثرة التغيير، ولم يبقَ سوى الحديدة… فباع الحديدة، بينما يضحك بصوت مكتوم على فوضى أبدعها بنفسه.
وتذكرت البيت الشعبي ساخرًا، وكأنه تعليق مباشر على المشهد:
بيها جرد لكعيم زفرة النضيدة
ما خلّه عدنه الواث… باع الحديدة

كل عميد من هؤلاء الثلاثة ترك أثراً لا يُنسى، أو ربما ينسى هو ذاته، لكن الموظفين والطاقات الحية ما زالوا يذكرونه. الصدفة التي تُدار باللامبالاة، الفلتة التي تتباهى بالتمثيل، والوصية التي تُحوّل الإدارة إلى سوق مصالح، كلهم مروا هنا كأنهم شخصيات كوميدية في مسرحية سوداء لا ينتهي عرضها أبدًا.

أغلقتُ ديوان مظفر النواب، ونظرتُ إلى العام الجديد كما ينظر الموظف إلى ملفّ مؤجل منذ عقود، وقلتُ له بسخرية مُرة: ليست ثلاث أمنيات يا مظفر، بل ثلاث خيبات في رأس السنة الجديدة؛ خيبة جاءت بالصدفة، وأخرى تركت للفلتة، وثالثة نُفّذت بالوصيّة. جلست قليلًا، أتنفّس ببطء، ثم غادرت، تاركا غرفًا باردة، أقسامًا خاوية، وحكاياتٍ نرويها كي لا نصدق أننا ما زلنا نُسمّي هذا المكان جامعة، بينما الكوميديا الإدارية تُكرر نفسها …….، وكل فلتة تُضخّم، وكل وصيّة تُباع، ….!! وكأن الزمن الجامعي لا يُقاس بالعلم، بل بالضحك على ما تبقى من جدية !!!

زر الذهاب إلى الأعلى