أدب وثقافةقصص قصيرة

 بين الكادر والآخر ​

قصة قصيرة بقلم د: نهى النجار

 بين الكادر والآخر

قصة قصيرة بقلم د: نهى النحار


​دخل في كامل أناقته؛ رجل أربعيني ممشوق القوام، يسير بتفاخر كأنه ديك رومي،
يرتدي “جاكيت” رصاصي وبنطالاً أسود. يحمل حقيبة سوداء تشبه حقائب النساء،
وفي يده زوجته العجوز المتصابية، التي ترتدي هي الأخرى بنطالاً أسود و”تيشيرت”
مثبتاً بحزام أسود وعليهما “جاكيت”. تبدو وكأنها قد تخطت السبعين عاماً؛ يظهر انحناء أعلى ظهرها
منكمشةً إلى حدٍ يشي بكبر سنها، لكنها تحاول إظهار عكس ذلك. شعرها بني محروق،
وفي يدها حقيبة سوداء تشبه حقيبة زوجها.

و​ما إن دخلا وجلسا على مقربة مني، تفوهت العجوز ببعض الكلمات، وفجأة يرتفع صوت الزوج غير عابئ بوجوده
بين الناس -لن أقول أخيارهم ولكن أوسطهم مكانة- ومع ذلك لم يشكل الأمر فارقاً بالنسبة له؛
حيث بدأ رده عليها بوصلة “ردح” لا تليق بالبدلة التي يرتديها. والزوجة لا صوت لها، تلقي الكلمة أو الأمر بكل تعالٍ وتتركه يغلي ” كالقدر على النار “ويتفوه بما يريد، وعندما انتهى نفذ ما طلبته منه بكل انصياع وهدوء .

​أخرج هاتفه وميكروفوناً وقام بتوصيلهما، ثم نهض الاثنان. خلعت الزوجة “الجاكيت”
وألبسته للكرسي الذي تجلس عليه، وانطلق الاثنان إلى المنصة يستعرضان مهاراتهما اللغوية؛ وصارو يتبادلون الأدوار هي تتحدث وهو يصوّرها.. هو يتحدث وهي تصوّره. وكان شدقيهما أوسع من القاعة التي نجلس فيها،
وتبددت المناوشات و”التشليقات” التي أبهرونا بها قبل قليل.

​انتهى التصوير،و أُغلقت الهواتف، وعادوا إلى مجلسهم، ولكن هذه المرة جلسا أمامي مباشرة، حتى أن الزوج طلب مني مساعدته في توسعة المكان وإزاحة الطاولة التي أجلس عليها للخلف، ولكني وبكل كبرياء رفضت، فصار يزحم و يتحشر حتى جلس بجوار زوجته. ثم أخرج من حقيبته طبقاً من الأرز واللحم “صناعة بيتي” وزجاجة عصير، وجلس يأكل بنهم وشراهة وتلذذ جعلني أتقزز منه.
​بدأ بوصلة من “المُعايرة” للزوجة بأنها لا تستطيع إعداد طبق بجمال ومذاق هذا الطبق “الخطير”، ويغرز الشوكة في اللحم ويقربها من فمها باستخفاف وهي ترفض بضيق وتدفع الشوكة بعيد عنها
وتقسم له بكل إيمانات المسلمين وغيرهم إنها طباخة ماهرة، وتستطيع إعداد ما هو أجمل منه
فيتابع كلماتها بضحكات استهجان وسخرية، وأسهب في إحراق دمها حتى أننا في الخلف شممنا رائحته!

​لملم أطباقه وعصيره ووضعهم في الحقيبة، وفتح حقيبتها وأخرج منها مطهراً أو “بادي سبلاش”، ورش على يده وفمه وصار يغسلهما به.
وبعد لحظات يرتفع صوته يطلب منها أن تعرض نفسها على طبيب لأنها وصلت إلى حد “الزهايمر”؛ لأنها نسيت أن هاتفها بالأمس كان سليماً والآن هو مكسور وتتهمه بأنه من كسره، فصار يطبطب عليها بتحسر و”يمصمص” في شفتيه على حالتها المتدهورة.ويقنعها إنه مكسور منذ الأمس ولكن عينيها غشيته ..

​لحظات وطلبت منه أن يقوم بتصويرها وهي تسير على السجادة الحمراء. أخرجوا الميكروفون وأوصلوه بالهاتف، قامت وتركت “الجاكيت” يرتديه الكرسي، تسير وفي يدها الميكروفون وهو أمامها بالهاتف، وصارت تصف الحفل والجمهور بعبارات بديعة رنانة، وهو يبتسم لها يعطيها ثقة، فتسهب في الوصف والسير بـ “غندرة”. انتهت وجاء دوره، يسير على السجادة وهي تصوّر وتبتسم له، وهو يصف بطلاقة وبسمة عريضة لا تنكمش.

​أُغلقت الهواتف، صاروا يتبادلون النظر في الهواتف، وكلاهما يعين جودة التصوير، ثم يشيرون المقاطع على صفحاتهم
ويرسلونها للأصدقاء، والمعارف على الواتس ، ثم ينتظران تلقي إعجابات ،ويجلسون في أماكنهم بكل تفاخر وكأنهما
صنعا المعجزات ..

بعد لحظات تحضر سيدة جميلة، صغيرة السن تجلس معهم، فاستدار الزوج نحوها معطياً نصف ظهره للزوجة التي أصبحت في معزل منهم ، ودار بينه وبين السيدة حوار شيق وضحكات متواصلة. والزوجة تشعل سيجارتها وتمتصها بعنف وشراهة وغيظ أيضاً، حتى أن “التيشيرت” الذي ترتديه قفز إلى أعلى وظهر جزء من بطنها.

​ارتفع. صوت الموسيقى، السيدة الجميلة تغادر
، نهضت العجوز تعدل ثيابها، وغطت الجزء الذي انكشف،
وطلبت من الزوج أن يراقصها. نهض مسرعاً، وفتح الهاتف وطلب من أحد الحضور أن يقوم بتصويرهم.

تحولت العجوز لغزالة.. لا بل فراشة.. تحلق من حولهٍ وتدور تحت ذراعه المعلق في الهواء
.. برشاقة لا تتناسب مع سنها، لدرجة أن “التيشيرت” قفز مرة أخرى لأعلى واظهر بطنها،فأسرعت تتشبث به
فكانت يدٌ ممسكة بالتيشيرت والأخرى معلقة في ذراع زوجها تدور أسفلهُ برشاقة . والمصور يدور حولهم يبدع في التقاط صورهم قبل إغلاق الهواتف.

​صمتت الموسيقى، أسرع كلاهما لمشاهدة الصور؛ الصور رائعة! السعادة واضحة، والحب الواعي الناضج واضح بشكل أسطوري! عادا إلى أماكنهم

وما هي إلا لحظات حتى فتح الزوج “وصلة ردح” جديدة يُعلم فيها الزوجة آداب الحديث ومراعاة الذوق العام
فيما تطلبه ولا تتعالى عليه، وكان ذلك بسبب “الشيخ” الذي نال جائزة ويسعى كلاهما أن يسجل معه
حواراً صحفياً لصفحات الخاصة. والأبرع فيهما من يلحق به ويجذبه نحو طاولته….



عرض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى