مقالات

رهبة الطريق الاول

نشأت البسيوني

رهبة الطريق الاول

بقلم/نشأت البسيوني

هناك طريق يمر به كل انسان طريق لا يشبه اي درب آخر لانه الطريق الاول الذي يمشيه بقلبه قبل خطواته الطريق الذي يبدأ دون علامات واضحة ودون خبرة سابقة ودون دليل يمسك بيده الطريق الذي يشبه لحظة قفز في فراغ غير مرئي لكنه رغم خوفه يحمل بداخله وعدا خفيا بأن شيئا ما ينتظره في نهايته
الطريق الاول يعلم الانسان اكثر مما يتوقع يجعله يواجه نفسه لاول مرة يختبر شكه وخوفه واندفاعه وتردده يجعله يرى حقيقة قوته التي لم يكن يعرفها وحقيقة ضعفه الذي حاول كثيرا ان يخفيه يجعله يتعلم ان العالم اكبر من صورته التي كان يظنها واصعب من توقعاته وابسط مما كان يظنه حين يبحث عن المعنى الحقيقي
في هذا الطريق يصبح كل شيء علامة كل خطوة درس كل عثرة اشارة كل صدفة رسالة كل انسان يمر به جزء من حكاية تتكون دون ان ينتبه لها وكل تجربة سواء كانت فرحا او وجعا قطعة من الصورة التي يتشكل بها كي يصبح اقرب لنسخته الحقيقية
الطريق الاول لا ينساه الانسان مهما طال الزمن لانه الطريق الذي صنع بداياته الذي كشف له ملامح احلامه الذي وضع امامه الاسئلة التي لم يكن يجرؤ على طرحها الطريق الذي جعله يتخلى عن اشياء كان يظن انه لا يعيش بدونها ويقترب من اشياء لم يكن يرى قيمتها من قبل الطريق الذي جعله يفهم ان الحياة لا تعطيه الاجوبة دفعة واحدة بل تجعله يبحث حتى يفهم لماذا يسير وكيف يعود الى نفسه اذا ضاع
ومع كل خطوة يدرك الانسان ان الطريق الاول لم يكن اختبارا فقط بل كان كشفا واسعا لما بداخله كشفا للطفل الذي فيه الذي يخاف ويصرخ ويهرب وللرجل الذي فيه الذي يقاوم ويحاول ويصمد وللحكمة التي فيه التي تتكون ببطء حتى تصبح جزءا منه
وفي اللحظة التي يصل فيها الانسان الى نقطة معينة من هذا الطريق يدرك انه لم يعد كما كان وان المسافة التي قطعها غيرت ترتيب قلبه ووضوح عقله وملامح نظرته للحياة وانه حتى لو عاد مرة اخرى لن يسير كما سار في المرة الاولى لان التجربة لم تعد غريبة ولان الخوف لم يعد سيده
يكتشف الانسان ان الطريق الاول ليس مجرد بداية بل هو الجوهر هو الصفحة التي يتشكل عليها كل ما يأتي بعده هو الصدى الذي يعود اليه كلما ضاع المعنى هو العلامة التي تذكره انه مهما تغير ومهما نضج ومهما خاض من طرق اخرى سيظل يحمل داخله رهبة الطريق الاول التي صنعت منه ما هو عليه اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى