
رمضان ليس صيامًا فقط… بل عدلٌ يسبق الركوع
بقلم: محمود سعيد برغش
يتحدّث الناس كثيرًا عن فضل شهر رمضان، عن الصيام، والقيام، والتراويح، وختم القرآن، وكثرة الدعاء.
لكن قلّ من يتحدث عن الركن الأخلاقي الأعظم في هذا الشهر: العدل، وترك الظلم، وردّ الحقوق.
فما قيمة صيام يمسك فيه الإنسان عن الطعام، ولا يمسك عن أذى الناس؟
وما قيمة قيام ليلٍ طويل، وقلب صاحبه مليء بالطمع أو المؤامرة أو أكل الحقوق؟
رمضان ليس موسماً للعبادة الشكلية… بل موسم تصحيح الضمائر.
أولًا: القرآن يربط التقوى بالعدل لا بالمظاهر
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: 135)
العدل ليس خيارًا أخلاقيًا… بل تكليفًا إيمانيًا.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: 42)
قد ينجو الظالم من حساب البشر، لكنه لا ينجو من حساب الله.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 57)
فكيف يرجو الظالم محبة الله، وهو يتقرب إليه بصيام وقيام، بينما يسير في طريقٍ لا يحبه الله؟
ثانيًا: السنة النبوية تحذر من خطورة المظالم
قال رسول الله ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
رواه مسلم.
الظلم ليس خطأ عابرًا… بل ظلمات متراكمة.
وقال ﷺ: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم…»
رواه البخاري.
وفي رمضان، حيث تتضاعف الحسنات، قد يخسر الظالم كل ما جمعه إذا جاء يوم القيامة مفلسًا.
وقال ﷺ: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»
رواه ابن ماجه.
الصيام ليس جوعًا… بل تهذيب نفس، وإقامة عدل.
ثالثًا: مدرسة الصحابة… عدل قبل عبادة
عمر بن الخطاب كان يقول: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لِمَ لَمْ تمهّد لها الطريق يا عمر.”
هذا هو الفهم الحقيقي للمسؤولية: خوف من تقصير، لا استغلال لمنصب.
علي بن أبي طالب قال: “الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.” الظلم يهدم المجتمعات ولو رفعت رايات الدين.
رابعًا: أقوال العلماء
الحسن البصري قال:
“إن الرجل ليظلم فينسى، ولا ينسى الله.”
ابن تيمية قال: “إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.”
الإمام الشافعي أكد أن ردّ المظالم شرط لصحة التوبة، فلا توبة مع بقاء حقوق العباد.
خامسًا: صور الظلم التي نتجاهلها في رمضان
الظلم ليس فقط ضربًا أو سرقة. الظلم قد يكون:
استغلال منصب لتحقيق مصلحة شخصية
أخذ حق موظف أو عامل ، التلاعب في ميراث , تشويه سمعة إنسان ,،مؤامرة لإسقاط شخص ، الطمع في مال ليس لك ،أذى نفسي داخل بيتك
كل ذلك يدخل تحت قول الله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279)
الثلاث نقاط العملية في رمضان
تصفية المظالم قبل تصفية الصحف
رمضان ليس موسمًا لتجميل الصورة أمام الناس، بل لتطهير الصحف عند الله.
فكما تُفتح أبواب الجنة في هذا الشهر، تُفتح دفاتر الأعمال، ويُراجع الإنسان نفسه حسابًا قبل أن يُحاسَب.
من أخذ مالًا بغير حق… فليُعِده. ، من ظلم موظفًا أو عاملًا… فليُنصفه. ، من شوّه سمعة إنسان… فليُصحّح خطأه.، من قطع رحمًا ظلمًا… فليصلها.
فالمفلس – كما أخبر النبي ﷺ – هو من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، لكنه يأتي وقد ظلم هذا وأكل مال هذا… فتُسحب حسناته واحدًا تلو الآخر.
تصفية المظالم تسبق تصفية الصحف.
مراجعة النوايا لا مراجعة المظاهر
رمضان ليس استعراضًا روحانيًا.
اسأل نفسك: هل أصوم تقربًا إلى الله؟
أم حفاظًا على صورة اجتماعية بينما أمارس ظلمًا في الخفاء؟
التقوى ليست منشورًا… بل موقفًا.
إقامة العدل داخل بيتك وعملك
ابدأ من دائرتك القريبة: ،كن عادلًا مع زوجتك.,،أنصف أبناءك.
لا تفضل أحدًا ظلمًا. ،لا تستغل موظفًا لحاجته.
لا تضغط على ضعيف لأنك تملك سلطة.،من لم يعدل في بيته… لن يعدل في المجتمع.
رمضان ليس شهرًا للطقوس فقط، بل شهر تصحيح المسار.
ليس موسمًا للكلمات، بل موسمًا للمراجعة الصادقة.
التقوى التي أرادها الله بقوله:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)
هي أن تمسك يدك عن الظلم، ولسانك عن الأذى، وقلبك عن الطمع، قبل أن تمسك فمك عن الطعام.
فمن صام عن الخبز… ولم يصم عن الظلم…
فاته جوهر رمضان.




