مقالات

د شيرين العدوي تكتب : حارس البوابة بختم النسر

د شيرين العدوي تكتب : حارس البوابة بختم النسر

د شيرين العدوي تكتب : حارس البوابة بختم النسر

 

مازلت معك قارئى العزيز فى حضرة «نجيب محفوظ» وفى هذه الحضرة لا يمكن أن نتجاوز «الصورة الأيقونية» للذى انتزع العالم بنجوميته الروائية، وبحصيلته الحياتية الإبداعية التى وثقها الكاتب الصحفى الكبير طارق الطاهر بكتابه البديع «نجيب محفوظ بختم النسر». فنجيب محفوظ هو الكاتب «القنديل» للقرن العشرين ولقرون طويلة قادمة. وكتاب طارق الطاهر يقدم زاوية أخرى ضرورية لفهم هذا العملاق. فهو قراءة وثائقية لمسيرة نجيب محفوظ المهنية وتحولاتها التى استمرت على مدى 37 عاما فى مؤسسات الدولة المصرية بدأها نجيب محفوظ مترجما، وهذا يفتح باب الأمل أمام مترجمين كثر فى أن يكونوا فى يوم من الأيام «نجيب محفوظ ثانيا» فتراب مصر ولّاد.

 

الكتاب الصادر ضمن مطبوعات مهرجان الإسماعيلية السينمائى الدولى؛ ليس سيرة ذاتية وإنما توثيق لمسار إنسانى واجتماعى ومؤسسى فى آن واحد، يستقى مادته من الختم الرسمى للدولة المصرية مما يمنح القارئ بوابة نادرة لأكثر من سبعين وثيقة حكومية أصلية تحمل «ختم النسر» للاطلاع على حياة الكاتب من خلال قرارات رسمية، وشهادات تعليمية، وتقارير وظيفية، وإقرارات ذمة مالية وغيرها من الأوراق التى تكشف عن وجه آخر من وجوه محفوظ. إنها رحلة تبدأ من شوارع وسط القاهرة فى حى الجمالية حيث ولد محفوظ، وتتبعه فى مراحل تعليمه حتى حصوله على ليسانس الآداب، ثم فى تنقله بين مؤسسات الدولة، من وزارة الأوقاف إلى وزارة الإرشاد القومى، حيث تقلد أدوارًا مهمة كان من أبرزها رئاسة مؤسسة السينما والإشراف على الرقابة و المصنفات الفنية، وهى أدوار لم تسطر كثيرا فى السيرة الأدبية المعتادة له.

 

من هنا يتجاوز الطاهر فى كتابه حدود النقد السيرورى إلى ما يمكن تسميته «نقد التوثيق الثقافى»، إذ يطرح تساؤلات عن كيف يمكن للأوراق الرسمية أن تعيد تشكيل صورة المثقف فى الوعى الجمعى. الكتاب يحوّل الوثيقة إلى نص سردى: فنحن لا نقرأ القرار الوزارى كمرجع إدارى جاف، بل كمشهد يعيد رسم حضور محفوظ فى البنية الثقافية للدولة؛ بل وكيف تعامل مع الثقافة والإبداع من موقع السلطة والمسئولية، ومن باب حارس بوابة الإبداع ؟.

 

وهنا يكمن جمال الكتاب: فى قدرته على إعادة تأطير الذاكرة الثقافية فبدلا من أن يكون محفوظ مجرد صوت روائى يتحدث فى العوالم الخيالية والواقعية فقط، نجده جزءا من آلة الدولة الحديثة التى كانت تصوغ المشهد الثقافي؛ آلة أحيانا تعزز الإبداع، وأحيانا تقيد الفكر؛ لكن محفوظ ظل فى قلب هذه اللعبة المعقدة، لا بعيداً عنها. ما يميز هذا العمل أنه يقدم قراءة مزدوجة: قراءة السيرة الفنية عبر مفاصل الحياة الإدارية التى نسميها «الجمهور العام» وقراءة «الحياة الإدارية» من منظور روائى إنسانى. إنها أداة نقد تعيد تشكيل معرفة القارئ بتاريخ محفوظ الاجتماعى والمؤسسى، وتكشف نجيب محفوظ الراوى، وتطرح سؤالا كبيرا عن مرآة مزدوجة فى هذا السياق. فختم النسر هو علاقة الكاتب بالسلطة، وصياغة للتاريخ المؤسسى، كيف يشكل صورة الأدباء أمام الأجيال القادمة؟. إنه كتاب يستحق الوقوف أمامه طويلا ليس كوثيقة أرشيفية؛ بل كعمل نقدى يعيد قراءة تاريخ الأدب المصرى فى مفترقاته الأكثر حيوية وتعقيدا.

المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى