
في لحظة ما يدرك الإنسان أن الكلام لم يعد ينفع وأن الشرح المتواصل لم يعد يغير شيئا وأن بعض المواقف تحتاج إلى صمت أعمق من أي تفسير فيختار أن يسكت لا لأنه ضعيف ولا لأنه لا يملك ما يقوله بل لأنه تعب من الكلام الذي لا يُسمع ومن التبرير الذي لا يُقدّر ومن المحاولات التي لا تجد صدى عند أحد، فيتراجع خطوة إلى الداخل ويكتشف أن الصمت أحيانا أكثر وضوحا من ألف جملة وأنه الطريق الأقرب لفهم النفس بعيدا عن ضوضاء الآخرين
الصمت ليس انسحابا كما يظن البعض بل هو مساحة يتنفس فيها القلب بعيدا عن كل ما يرهقه، مساحة يتأمل فيها الإنسان تفاصيل حياته، يراجع ما مر به، يفرز ما يستحق البقاء وما يجب تركه، يقرأ الوجوه بصمت ويزن الكلمات بدون ضجيج ويعيد ترتيب مشاعره بلا ضغط ولا توقعات، ومع الوقت يتعلم أن الصمت قوة خفية لا يملكها إلا من تمرس على خيبات كثيرة وتعلم أن يحمي نفسه دون ضجة
والإنسان حين يختار الصمت يبدأ يرى بوضوح أكبر، يرى حقيقة العلاقات التي كانت تستنزفه بدون أن يشعر، يرى من يقترب منه بحب ومن يقترب لمصلحة، يرى من يفهمه دون أن يتكلم ومن ينتظر منه كلمة ليحكم عليه، يرى من يستحق البقاء ومن لا يحمل إلا وجودا شكليا لا يقدم شيئا، وكل هذه الرؤية لا تأتي إلا حين يهدأ داخله وتخف وطأة الأصوات التي كانت تشوش إحساسه
ومع مرور الوقت يصبح الصمت صديقا وفيا، يعلمه كيف يصغي لنفسه، كيف يسمع نبض قلبه، كيف يلتقط الرسائل التي كان يمر عليها مرور الكرام، يعلمه أن الرد ليس واجبا، وأن الانفعال لا يحل شيئا، وأن بعض المواقف تستحق أن تُترك كما هي دون تفسير ودون معارك إضافية، وأن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في كثرة كلامه بل في عمق ما يشعر به وقدرته على معرفة متى يتحدث ومتى يسكت
يكتشف الإنسان أنه حين يختار الصمت فإنه لا يخسر شيئا بل يكسب نفسه، يكسب راحته، يكسب هدوءه الداخلي، يكسب لحظات صفاء نادرة، يكسب معرفة لا تأتي إلا مع التأمل، ويصل إلى مكان لا يصل إليه إلا من عرف أن الصمت أحيانا هو الجواب الوحيد الذي يمنح للإنسان كرامته ولروحه سلامها ولحياته توازنها




