مقالات

حين نرى ما كنا نتجاهله

نشأت البسيوني

يمر الإنسان بفترة يكتشف فيها أن أكثر الأشياء التي أرهقته لم تكن مفاجأة بل كانت علامات واضحة تجاهلها مرارًا لأنه لم يكن مستعداً ليرى الحقيقة كما هي كان يرى القليل ويتغافل عن الكثير كان يسمع ما يريحه ويتجاهل ما ينذره كان يتمسك بما يؤذيه لأنه خاف من الفراغ الذي سيأتي بعده وكان يواصل السير في طريق يعرف أنه لا يناسبه لكنه يصر عليه لأنه اعتاد عليه
ومع مرور الوقت يصبح تجاهل الحقيقة عبئا ثقيلاً يحملها الإنسان على كتفيه دون أن يشعر وفي كل مرة يتظاهر بأنه بخير يشعر داخليا بأن شيئا ينكسر فيه شيئًا يخبره أن هذا ليس مكانه وأن هذا الطريق ليس طريقه وأن هذا الوجود ليس وجوده الصحيح لكنه يسكت هذا الصوت خوفاً من المواجهة خوفاً من التغيير خوفاً من الخطوة التي يعرف أنه يجب أن يتخذها
ثم تأتي لحظة لا يعود فيها قادراً على الهروب لحظة يضع فيها العالم حقيقة واحدة أمامه حقيقة لا يمكنه إنكارها ولا تجاوزها فيرى بوضوح ما كان يغمض عينيه عنه لسنوات يرى ملامح الخذلان التي كان يبررها يرى حدود الاحتمال التي ظل يتجاوزها يرى قيمته التي ضاعت لأنه لم يصنها يرى أن ما تمسك به لم يكن يستحق التمسك من البداية
ومع هذا الوضوح المؤلم يبدأ شيء آخر في الانبعاث داخله يبدأ ضوء صغير يفتح له باباً لم يكن يراه يبدأ صوت داخلي يخبره أن الحقيقة مهما كانت ثقيلة فهي أجمل من وهم طويل وأن المواجهة مهما كانت صعبة فهي أقوى من الهروب وأن البداية الجديدة مهما كانت مجهولة فهي أرحم من البقاء في مكان يطفئه يوما بعد يوم
ويتحول هذا الإدراك إلى خطوة خطوة يعيد فيها الإنسان ترتيب نفسه خطوة يضع فيها حدودا لم يضعها من قبل خطوة يبتعد فيها عن أذى ظل يستهلكه طويلًا خطوة يواجه فيها خوفه خطوة يختار فيها نفسه دون تردد خطوة يعرف فيها أن ما فقده لم يكن خسارة بل تحريرا لما يستحقه
يفهم الإنسان أن الحقيقة التي كان يخشاها كانت هي الطريق للخلاص وأن ما كان يتجاهله كان مفتاح نجاته وأن الأشياء التي كانت تكسر قلبه كانت تدفعه نحو وعي جديد وأن اللحظة التي يرى فيها الحقيقة كما هي هي اللحظة التي يبدأ فيها بالعيش كما يجب

زر الذهاب إلى الأعلى