سياسة و اقتصادصدى مصرمقالات

ما وراء النبوءة من التهويم ،إلى التحليل وسر التنبؤ بالأحداث.

ما وراء النبوءة من التهويم ،إلى التحليل وسر التنبؤ بالأحداث. 

كتب: محمد رمضان أمين

 

في كل مرة يخرج فيها إعلامي, مفكر أو أي محلل سياسي ليتحدث عن حدث قبل وقوعه، ينقسم الجمهور سريعًا إلى معسكرين متقابلين: معسكر يصف ما قيل بـ«النبوءة»، وآخر يختصره في كلمة «هبد». غير أن الحقيقة — في أغلب الأحيان — لا تنتمي لأي من الطرفين. فما يُسمّى بالتنبؤ السياسي ليس ضربًا من التنجيم، ولا ادعاءً بامتلاك مفاتيح الغيب، بل هو — في صورته الجادة — عملية تحليل منهجية تستند إلى أدوات واضحة، ورؤية تراكمية، وقدرة على قراءة الإشارات قبل أن تتحول إلى عناوين رئيسية.

بين “النبوءة” وعلوم السياسة الخلط يبدأ من المفهوم ذاته. الجمهور بطبيعته يميل إلى تفسير التوقعات الصائبة باعتبارها ضربًا من الإلهام أو الحدس الخارق. لكن في غرف التفكير الاستراتيجي، ومراكز الدراسات، لا مكان للحدس المجرد. هناك: خرائط مصالح سجلات تاريخية نماذج تحليل سيناريوهات تُبنى وتُراجع باستمرار السياسة، بخلاف ما يظنه البعض، لا تتحرك بعشوائية كاملة، حتى في أكثر لحظاتها اضطرابًا. خلف كل أزمة مسار سابق، وخلف كل قرار شبكة معقدة من الحسابات.

الركيزة الأولى: قراءة النمط التاريخي الدول — خاصة الكبرى منها — تعمل وفق استراتيجيات ممتدة لسنوات، وأحيانًا لعقود. ملفات الأمن القومي، الطاقة، التحالفات العسكرية، النفوذ الإقليمي… جميعها لا تُدار بردود فعل لحظية، بل ضمن أطر طويلة المدى. من يدرس التاريخ السياسي يلاحظ أن كثيرًا من الأزمات لم تكن مفاجآت حقيقية، بل حلقات متتابعة في سلسلة بدأت قبلها بسنوات. الأحداث قد تبدو صادمة في لحظتها، لكنها — لمن يتتبع المسار — كانت إشارات تتراكم بصمت. قراءة هذا النمط لا تعني معرفة التوقيت الدقيق، لكنها تكشف الاتجاه العام للحركة.

الركيزة الثانية: فهم المصالح قبل الشعارات السياسة لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح. قد تتبدل الخطابات، وقد تتغير العناوين، لكن المصالح الاستراتيجية تظل العامل الحاسم. عندما يتعارض الخطاب المعلن مع المصلحة الفعلية، تنتصر المصلحة في نهاية المطاف. ولهذا فإن المحلل الذي يتتبع خطوط المصالح — الاقتصادية، والعسكرية — يستطيع أن يرسم المسار المحتمل للأحداث، حتى وإن بقي عنصر المفاجأة حاضرًا في التفاصيل. التحالفات تُبنى وتتفكك وفق حسابات القوة، لا وفق المجاملات. والتصعيد أو التهدئة غالبًا ما يرتبط بتوازنات أعمق مما يظهر على السطح.

الركيزة الثالثة: بناء السيناريوهات لا إطلاق “التوقعات المطلقة” هنا يكمن الفارق الجوهري بين التحليل الرصين والاستعراض الإعلامي. أن تقول: «سيحدث كذا يوم كذا» هو ادعاء معرفة قاطعة بما لم يقع بعد. أما أن تقول: «إذا استمرت المعطيات الحالية، فالسيناريو الأرجح هو كذا» فهو تحليل مشروط، مبني على قراءة المعطيات المتاحة.

المحلل الجاد لا يقدم نبوءة، بل يضع عدة سيناريوهات محتملة، ويرجّح أحدها بناءً على مؤشرات قابلة للقياس: تصريحات رسمية تحركات عسكرية مؤشرات اقتصادية تغيرات في التحالفات تسريبات محسوبة وعندما يتحقق أحد تلك السيناريوهات، يبدو الأمر وكأنه كان «متوقعًا» سلفًا، بينما هو في الحقيقة نتيجة منطقية لمسار قائم. لماذا يبدو التوقع وكأنه كشف للمستقبل؟ المفارقة أن الجمهور لا ينتبه غالبًا إلى التحذيرات المبكرة، ولا إلى التحليلات التي تُنشر بهدوء.

لكن عند وقوع الحدث، تُستعاد المقاطع القديمة، ويُعاد تداول التصريحات بوصفها “نبوءات”. الذاكرة الجمعية تميل إلى اختزال المسار الطويل في لحظة واحدة: لحظة التحقق. غير أن ما حدث لم يكن كشفًا للمستقبل، بل قراءة متقدمة للحاضر. هو ربط بين إشارات متناثرة: تصريحات رسمية ضغوط اقتصادية إعادة تموضع عسكري تحولات في ميزان القوى وحين تكتمل الصورة، يبدو المشهد واضحًا بأثر رجعي.

بين البطولة الإعلامية والتحليل المؤسسي لا يمكن إنكار أن بعض المنابر الإعلامية تميل إلى تضخيم “التوقعات” لما تحمله من جاذبية جماهيرية. فالتوقع الصادم يجذب المشاهد، ويمنح صاحبه حضورًا لافتًا. لكن التحليل المؤسسي — في مراكز الأبحاث وغرف القرار — أقل صخبًا وأكثر حذرًا. هو لا يبحث عن البطولة، بل عن تقليل المفاجآت وصناعة القرار على أسس مدروسة. الخلاصة التنبؤ السياسي ليس: سحرًا بطولة إعلامية ادعاءً بامتلاك الغيب هو قبل كل شيء: قدرة على قراءة الاتجاه العام قبل أن يراه الجميع فهم للتاريخ تحليل للمصالح بناء لسيناريوهات مشروطة بالمعطيات وما يبدو للبعض “نبوءة”، هو في جوهره إجادة لقراءة الحاضر… قبل أن يتحول إلى ماضٍ.

الكاتب: محمد رمضان أمين
الكاتب: محمد رمضان أمين

زر الذهاب إلى الأعلى