مقالات

غبار الطريق…..بقلم/ناني عادل

بقلم/ناني عادل

غبار الطريق

بقلم/ناني عادل

في طرق طويلة تمتد بين قرى ومدن وأماكن لا يعرفها أحد يسير الإنسان حاملا معه حكاياته الصغيرة التي لا يسمعها غيره كل خطوة يترك خلفها غبارا خفيفا يشبه أثر الأيام التي تمر دون أن ينتبه لها أحد الطريق لا يسأل من أين أتيت ولا لماذا تمضي لكنه يكشف شيئا فشيئا حقيقة المسافر عليه فهناك من يمشي وهو ينظر خلفه طوال الوقت يخاف أن يفقد ما تركه وهناك من يمشي وعيناه للأمام لأنه أدرك أن ما مضى صار جزءا من الحكاية لا يمكن استعادته
وفي الرحلة الطويلة يتعلم الإنسان دروسا لا تقدمها الكتب ولا يسمعها في النصائح يتعلمها من التعب ومن الانتظار ومن اللحظات التي يشعر فيها أنه وحده تماما أمام اتساع الطريق يدرك أن المسافة الحقيقية ليست بين مكان وآخر بل بين الإنسان ونفسه بين ما كان يظنه عن نفسه وما يكتشفه مع الوقت
ومع مرور الأيام يلاحظ أن الطريق يغيره ببطء يخفف عنه أشياء كان يظنها ضرورية ويمنحه أشياء لم يكن يبحث عنها أصلا يصبح أكثر هدوءا في الحكم على الناس وأكثر صبرا مع الحياة وأكثر قدرة على فهم أن لكل إنسان رحلته الخاصة التي لا تشبه رحلة غيره
وفي لحظة ما يقف على جانب الطريق ينفض الغبار عن ثيابه وينظر للمسافة التي قطعها فيدهشه كم تغير دون أن يشعر وكم صار أبسط في نظرته للأشياء بعد أن كان يظن أن كل شيء معركة كبيرة يكتشف أن أهم ما في الرحلة ليس الوصول إلى نهاية الطريق بل الشخص الذي يصبحه الإنسان وهو يسير فيه
وحين يعود للسير مرة أخرى لا يمشي بنفس القلب الذي بدأ به الرحلة بل بقلب أكثر فهما للحياة وأكثر تصالحا مع ما يحدث حوله لأنه عرف أن الطريق مهما طال سيظل معلما صامتا يعلم كل من يمر به كيف ينضج دون أن يعلن ذلك بصوت عال

زر الذهاب إلى الأعلى