مقالات

ليلةٌ واحدة… قد تساوي عمرك كله العشر الأواخر من رمضان بين الاجتهاد والغفلة

ليلةٌ واحدة… قد تساوي عمرك كله العشر الأواخر من رمضان بين الاجتهاد والغفلة

ليلةٌ واحدة… قد تساوي عمرك كله

العشر الأواخر من رمضان بين الاجتهاد والغفلة

بقلم: محمود سعيد برغش

 

حين يقترب شهر رمضان من نهايته، يظن بعض الناس أن الموسم قد أوشك على الانتهاء، بينما الحقيقة أن أفضل أيام رمضان ولياليه لم تبدأ بعد. إنها العشر الأواخر من رمضان؛ الليالي التي اختصها الله تعالى بفضل عظيم، وجعل فيها ليلة هي أعظم ليلة في تاريخ البشرية: ليلة القدر.

 

هذه الليلة ليست مجرد ليلة عادية، بل ليلة قال الله عنها إنها خير من عمر إنسان كامل تقريبًا.

 

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾

(سورة القدر)

 

ألف شهر تعني أكثر من ثلاثة وثمانين عامًا من العبادة. أي أن من قام هذه الليلة بإيمان وإخلاص فكأنما عاش عمرًا كاملًا في الطاعة.

 

وقد بيّن النبي ﷺ فضلها فقال:

قال رسول الله ﷺ:

“مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه”

(رواه البخاري ومسلم).

 

ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر اجتهد اجتهادًا لا يجتهده في غيرها.

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

“كان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”

(رواه البخاري ومسلم).

 

أي أنه كان يترك الراحة والنوم، ويوقظ أهله ليشاركوه هذا الخير العظيم.

 

 

 

لقد فهم الصحابة رضي الله عنهم قيمة هذه الليالي، فكانوا يتعاملون معها وكأنها فرصة قد لا تتكرر في العمر.

 

كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول:

“تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر”.

 

وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يجتهد فيها اجتهادًا عظيمًا، حتى إنه كان يحيي الليل كله بالصلاة والذكر.

 

أما عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فكان يقول:

“إن الله جعل الخير كله في هذه الليالي، فمن حُرم خيرها فقد حُرم”.

 

 

 

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يجمع أهله وأولاده في العشر الأواخر ويحثهم على القيام والذكر، ويقول لهم:

“هذه ليالٍ لا ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها”.

 

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا دخلت العشر الأواخر شدّ على نفسه وأهله في العبادة، ويقول:

“لا تفوتوا هذه الليالي، فإن فيها ليلة هي خير من الدنيا وما فيها”.

 

 

 

اتفق العلماء والفقهاء على أن إحياء العشر الأواخر من أعظم القربات.

 

قال الإمام الشافعي رحمه الله:

“أستحب الاجتهاد في كل العشر الأواخر، لأن فيها ليلة القدر”.

 

وقال الإمام أحمد بن حنبل:

“من أراد أن يصيب ليلة القدر فليجتهد في جميع العشر”.

 

وقال الإمام النووي رحمه الله:

“السنة أن يكثر المسلم في هذه الليالي من الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن”.

 

أما ابن تيمية فقال:

“ليلة القدر في العشر الأواخر قطعًا، وأرجاها في الليالي الوتر”.

 

دعاء ليله القدر وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ فقالت:

“يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟”

 

فقال ﷺ:

“قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”

(رواه الترمذي).

 

وهو دعاء عظيم يجمع بين الرجاء في رحمة الله وطلب المغفرة.

 

 

إن العشر الأواخر ليست مجرد أيام تمر، بل هي موسم قد يغيّر مصير الإنسان كله.

 

ليلة واحدة فقط…

قد تُكتب فيها سعادتك،

وقد تُغفر فيها ذنوبك،

وقد تُرفع فيها درجاتك.

 

فلا تقل: سأجتهد ليلة السابع والعشرين فقط.

بل اجتهد في العشر كلها حتى تضمن أنك أدركت ليلة القدر.

 

قال الله تعالى:

﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

(سورة المطففين).

 

فهي فرصة…

والعاقل هو من لا يفرّط في الفرص التي قد تغيّر آخرته كلها.

 

اللهم بلغنا ليلة القدر، واكتب لنا فيها المغفرة والعتق من النار. 🤲🌙

زر الذهاب إلى الأعلى