مقالات

الشعر العربي وعلاقته بالمرض.. بقلم/ رشا عبد المنعم

الشعر العربي وعلاقته بالمرض

بقلم/ رشا عبد المنعم

لم يكن المرض عند العرب مجرد حالة جسدية، بل كان تجربة انسانية عميقة عبروا عنها في شعرهم بصدق واحساس مرهف؛ فصار وسيلة للكشف عن الحب، والتعاطف، وعمق الروابط الانسانية.

فالشاعر عندهم لم يكن يرى الالم جسديا فقط، بل امتدادا للمشاعر والارتباطات العاطفية، خاصة في الحب؛ ويتجلى ذلك في قول قيس بن الملوح

يقولون ليلى بالعراق مريضة 

فما لك تقضي وانت صديق

حيث يظهر ان مرض الحبيبة يتحول الى الم يعيشه العاشق، وكأنه جزء منه؛ في تعبير عن وحدة المشاعر بين المحبين.

كما استخدم الشعر وسيلة للمواساة وتخفيف الالم عن الاخرين؛ فكان الشاعر يحرص على ادخال السرور على المريض باسلوب رقيق، وقد يقلب الادوار ليخفف عنه؛ ويتضح ذلك في قول العباس بن الاحنف

قالت مرضت فعدتها فتبرمت

 وهي الصحيحة والمريض العائد

حيث يتنازل الشاعر عن ذاته النفسية ليجعل المريض في حالة راحة وطمأنينة؛ وهو ما يعكس رهافة الاحساس وعمق الانسانية.

وامتد هذا المعنى الى الدعاء والتعاطف العام؛ كما في قول العباس بن الاحنف

شفى الله مرضى بالعراق فاني 

على كل شاك بالعراق شفيق

حيث تتسع دائرة الشعور لتشمل كل مريض؛ في صورة من التكافل الوجداني والانساني.

كما يظهر هذا المعنى في شعر المودة بين الاصدقاء والحكام؛ حيث يتمنى الانسان ان يتحمل الالم بدل من من يحب، في اسمى صور الوفاء؛ ويتجلى ذلك في قول المعتصم بالله الى عبد الله بن طاهر حيث يقول:

أعزز علي بأن اراك عليلا 

أوان يكون بك السقام نزيلا

فوددت اني مالك لسلامتى

 فأعيرها لك بكرة وأصيلا… فتكون تبقى سالما بسلامتي

وأكون مما قد عراك بديلا

هذا اخ لك يشتكي ما تشتكي 

وكذا الخليل اذا احب خليلا

كما عبر الشعراء عن الحب بوصفه حالة قد تشبه المرض النفسي؛ يصل فيها العاشق الى حد الالم الشديد والذوبان في المشاعر؛ كما في شكوى محمد بن يزيد المبرد الى علية بنت المهدي،

حيث يقول:

فقالوا قتيل قلت اهون هالك

وفي ذلك تصوير دقيق لتحول الحب الى الم داخلي يشبه المرض؛ يصل بصاحبه الى درجة الفناء العاطفي.

وهكذا يتضح ان الشعر العربي لم يكن مجرد فن للتعبير، بل كان وسيلة انسانية عميقة لمشاركة الالم، وتخفيف المعاناة، والتعبير عن الحب والوجدان؛ حتى اصبح بمثابة دواء معنوي يواسي النفس، ويمنحها الصبر والامل.

زر الذهاب إلى الأعلى