كأس العالم بين التاريخ المبهر والحاضر المرتبك
كأس العالم بين التاريخ المبهر والحاضر المرتبك بقلم خالد بدوي

كأس العالم بين التاريخ المبهر والحاضر المرتبك
بقلم خالد بدوي
لم يكن كاس العالم لكرة القدم يوما مجرد مسابقة رياضية تنافسية للعبة الشعبية الأكبر على سطح الأرض، وإنما تحول مع الأيام إلى احتفالية عظيمة تجمع كل أساطير اللعبة، وتدور بينهم منافسات مثيرة، تتحلق لمشاهدتها عبر الأقمار الصناعية ملايين بل مليارات من محبي اللعبة سواء كانت لهم منتخبات وطنية مشاركة أم لا.
البطولات قبل عام 1954 كانت تنقل عبر أثير الإذاعة، ويتلقف الناس اخبارها عبر الصحف والنشرات الاخبارية، كما كانت بعض اللقطات تسجل وتذاع في دور السينما.
أول بطولة تنقل تلفزيونيا كانت بطولة 1954 في سويسرا وكان النقل التلفزيوني المباشر قاصرا على الأراضي السويسرية وبعض البلدان الحدودية معها التي تستقبل البث التلفزيوني لسويسرا، كما كانت الدول المشاركة تحصل على أشرطة فيديو لمبارياتها وتنقلها بالطائرات ليشاهدها الجمهور في اليوم التالي. بالرغم من كل هذه الصعوبات لكن كأس العالم ظل ملهما لكل الجماهير المحبة لكرة القدم، حتى جاء عام 1966 واستطاعت انجلترا نقل كافة المباريات عبر التلستار وهو قمر صناعي بدائي، لكنه مكن الدول المشاركة فيه من مشاهدة المبارايات لأول مرة على الهواء مباشرة خارج حدود الدولة التي تنظم البطولة. كما تم استخدام تقنية التصوير الملون للمرة الأولى.
تتابعت بعد ذلك البطولات ونظمت ألمانيا الغربية بطولة مبهرة عام 1974 وتابع العالم النهائي الرائع بين بيكنباور وكرويف والذي انتهى لمصلحة ألمانيا الغربية 1/2.
بعد ذلك نظمت الأرچنتين الكأس الأسوأ في التاريخ حتى أن النجم الهولندي الكبير كرويف امتنع عن الذهاب للأرچنتين احتجاجا على الأوضاع الإنسانية والسياسية هناك، فقد أقيمت البطولة في ظل عشرات الآلاف من المعتقلين والمختفين، وبالصدفة كانت هذه اول كأس عالم ينقلها التلفزيون المصري على الهواء مباشرة عبر القمر الصناعي بعد أن نقل بعض مباريات 1974 مسجلة.
توالت بعد ذلك بطولات كأس العالم كل أربعة سنوات وبانتظام كامل، وتفننت الدول المنظمة في جودة التنظيم، وتنافست في جودة التصوير التلفزيوني والنقل الفضائي، وزادت ارباح البطولة بشكل مذهل خاصة بعد كأس عالم 1982 في اسبانيا التي شارك فيها 24 منتخبا.
اعتبارا من عام 1998 في فرنسا ألقي الفيفا ( الاتحاد الدولي لكرة القدم) بثقله خلف البطولة المفضلة وجعلها من 32 منتخبا مما وسع من قاعدة المشاركة وزاد من عدد المباريات ولو على حساب جودة المنافسة، لكن الفيفا كان ينظر للربح.
نظمت سبع بطولات بمشاركة 32 منتخبا وحققت بطولة المانيا 2006 أرباحا أسطورية خاصة مع توافر البنية الأساسية في المانيا دون حاجة لانشاءات جديدة. كما حققت قطر افضل بطولة تنظيميا بملاعب فخمة مكيفة وسهولة تنقل وعوائد ضخمة قياسية.
الفيفا لم يتوقف عند محطة 32 منتخبا وقرر توسيع المشاركة إلى 48 منتخبا في 2026 ولم يقتصر الأمر على هذا التوسع في إعداد الدول المشاركة بل امتد إلى تنظيم الكأس في ثلاث دول هي أمريكا وكندا والمكسيك، بالرغم من أن الفيفا نفسه سبق وأقر بفشل تجربة التنظيم المشترك لكأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان عام 2002 كما رفض بعدها أية ملفات مشتركة، لكنه عاد مجبرا لقبول الملف المشترك لعجز الولايات المتحدة عن تنظيم البطولة منفردة، مع العلم أن قبول الملف الثلاثي بالقطع ستكون له محاذيره التنظيمية.
لكن هل يقتصر الأمر على المشكلات التنظيمية بتوزيع البطولة على ثلاث دول بينها حدود وجمارك …..الخ مما يجعل الصحفيين والمتابعين والجماهير في حال ترحال مستمر لآلاف الاميال، أم أن هناك مشكلات اخرى؟!!
اولى المشكلات تتعلق بكثرة المباريات التي تبلغ 104 مباراة مما سيسبب حتما صعوبة في المتابعة والتذكر للنتائج السابقة. فكل متابع لابد أن يبحث قبل كل مباراة عن معلومات الفرق التي تلعب لأنه من المستحيل حفظها.
لكن المشكلة الأكبر في مستوى بعض المنتخبات مثل كورساو وجزر الرأس الأخضر ونيوزلندا، وهذه ليست فقط منتخبات حديثة العهد بل تعتبر منتخبات تمثل دول صغيرة ومن الصعب تصور استمرارية كرة القدم فيها بنفس المستوى.
لكن الأمور لا تقف عند هذا الحد والفيفا على مايبدو تورط مع أمريكا التي تقام على ملاعبها معظم المباريات، فهناك قيود على منح التأشيرات للجماهير، ثم هناك قواعد صارمة لإيقاف المباريات حال التنبوء بوجود عواصف، أيضا ايقاف المباريات إذا زادت درجة الحرارة عن 37 درجة مئوية، المشكلة أن بعض المباريات ستجرى في الثانية عشرة ظهرا وطبيعي في شهر يونيه ويوليو أن تكون الحرارة مرتفعة.
المحطات التلفزيونية الكبرى أبدت بعض الاعتراضات على مواعيد المباريات الهامة خاصة وأن بعضها يلعب في الرابعة صباحا بتوقيت جرينتش، لكن ما باليد حيلة الفيفا تورط في كأس عالم كان يتمناه مثاليا لكنه فوجىء أن البلد المنظم لمعظم الفاعليات غير معنى بكرة القدم وهي عنده لعبة مهاجرين، ولا توجد خبرات جيدة في تنظيم مسابقات كرة القدم.
أما من الناحية الفنية فإن كأس عالم 2026 يأتي في ظروف غير طبيعية حيث أفلت النجوم اللامعة أو كادت ولم تظهر بعد نجوم جديدة يمكن أن تلفت الأنظار. هذه اخر بطولة لميسي الذي قد يلعب معظم المباريات مع حامل اللقب الأرچنتين مع الاعتراف بتراجع مستواه، بينما سيكون كريستيانو رونالدو على دكة بدلاء البرتغال، سيلعب هاري كين مع انجلترا لكنه ليس اللاعب المهاري الذي يخطف الابصار، وامبابي مع فرنسا وصلاح مع منتخب مصر وفينسيوس ورافينيا مع البرازيل ولامين يامال مع اسبانيا، ونجوم آخرين لكن يظل البريق الخاص بالنجوم التاريخية أقل بكثير من بطولات سابقة حيث كانت المباراة الواحدة تضم أكثر من عشر نجوم.
الحروب والتوتر العالمي وارتفاع أسعار تذاكر الطيران ومخاطر تضرر سلاسل الغذاء كلها أسباب اخرى قد تؤثر على كأس العالم ومتابعته. لكن بالرغم من كل شيء يظل كاس العالم حدثا فريدا يستحق المتابعة، واحداث تظل في الذاكرة تنتقل من جيل لجيل.
وسنتابع معا قبل بدء البطولة كافة المجموعات وتوقعاتنا عن كيف ستسير الأمور وفرص كل منتخب
خالد بدوي





