أدب وثقافةشعر و أدب

ملحمة الرمز والفداء في قصيدة “كبش العيد والأسير الفلسطيني”

دراسة تحليلية دلالية

ملحمة الرمز والفداء في قصيدة “كبش العيد والأسير الفلسطيني”

للشاعر السوري الدكتور مروان عرنوس– دراسة تحليلية دلالية.

بقلم: غدير حميدان الزبون. فلسطين
يحضر “كبش العيد” في الأدب العربي على شكل علامة رمزية كثيفة تتجاوز النظر إليه على أنّه أضحية شعائرية، فهو تمثيل مركّب لمعاني الفداء والكرم والفرح الجمعي، وتحوّلات العلاقة بين الإنسان والطقس. فقد شكّل هذا الكائن عبر العصور مادةً خصبةً للتخييل الأدبي. وقد استثمره الشعراء والكتّاب في بناء صورٍ تتراوح بين الجمالية والرمزية والنقد الاجتماعي. ففي الشعر الكلاسيكي ظهر الكبش في سياقات التفاخر والنعمة، كما في بعض ملامح الشعر الأندلسي، أو في سياقات المفارقة والسخرية التي لامست أجواء الأسواق ومواسم الأعياد، فغدا أداةً لكشف التباينات الاجتماعية. وفي النثر اتخذ حضوراً أكثر حميمية، إذ ارتبط بذاكرة الطفولة، وبالتحوّل الوجداني الذي يرافق الانتقال من الألفة إلى الفقد، فصار رمزاً لتجربة إنسانية تتقاطع فيها البراءة مع إدراك المصير. وفي الأدب الفلسطيني يكتسب “كبش العيد” أبعاداً إضافية تتصل بخصوصية التجربة التاريخية التي يتداخل فيها الطقس الديني مع واقع الاحتلال والمعاناة اليومية، فيتحوّل الرمز إلى حاملٍ لقضية، وتتجاوز الأضحية معناها الشعائري لتغدو صورة للفداء الوطني.
ويظهر هذا التحوّل في النصوص الشعرية والسردية التي تستحضر العيد في اللحظة المزدوجة التي تجمع بين الفرح الغائب والألم الحاضر، ليُعاد تشكيل الرموز الدينية في ضوء التجربة الفلسطينية، فيغدو الكبش قريناً للشهيد أو الأسير، وتتحوّل طقوس الذبح إلى استعارةٍ للمعاناة والصمود. ومن هنا، فإنّ حضور الكبش في هذا السياق لا ينفصل عن الذاكرة الجمعية، فهو يتغذّى منها، ويعيد إنتاجها في لغةٍ مشحونة بالدّلالة، وقادرة على احتواء التناقض بين الأمل والواقع. وفي هذا الأفق الإبداعي، يبرز اسم مروان عرنوس صوتاً شعرياً معاصراً، يجمع بين الحسّ الإنساني والوعي القومي، ليشتغل على القضايا العربية الكبرى بلغةٍ تجمع بين الجزالة والشفافية.
وُلد الدكتور مروان عرنوس في سوريا، وتخصّص في اللغة العربية وآدابها، ونال درجة الدكتوراة في هذا المجال، واشتغل في التعليم والبحث الأكاديمي إلى جانب نشاطه الأدبي.
عُرف مروان عرنوس بإسهاماته في الشعر العمودي الذي يستلهم التراث ويعيد صياغته بروح معاصرة، كما كتب في القضايا الوطنية والإنسانية متناولاً موضوعات المقاومة، والهوية، والكرامة، وقد تميّزت نصوصه بقدرتها على توظيف الرموز الدينية والتاريخية في سياقات حديثة، ما أضفى على تجربته طابعاً ملحمياً واضحاً. وتُعدّ قصيدته “كبش العيد والأسير الفلسطيني” أنموذجاً بارزاً لهذا التوجّه الذي تتقاطع فيه الرمزية الدينية مع البعد الوطني في بناءٍ شعريّ متماسك. وقبل الولوج إلى عوالم هذه القصيدة تتهيّأ اللغة لتقديم مدخلٍ إبداعيّ يلامس وجدان القارئ ويستفزّ تأمّله في صياغةٍ موزونة تُحاكي إيقاع المعنى.
فيا قارئَ الحرفِ هل أصغيتَ منتبهاً
لصوتِ ذبحٍ يُنادي في دجى الزمنِ؟
ذاك الذي كان في الأعيادِ مبتهجاً
أمسى يُحادثُنا من أعمقِ الحُزُنِ
هل كنتَ تدركُ أن العيدَ مسألةٌ
بين الفداءِ وبين القيدِ والمِحَنِ؟
وأنّ كبشاً على الأعتابِ نُطعِمُهُ
يُخفي حكايةَ شعبٍ مثقلِ الشجنِ؟
فامضِ، ودعْ النصَّ يفضي ما بهِ وجعٌ
وافتحْ لروحِكَ أبواباً من الفِطَنِ
فالحرفُ إن صدقَ الإحساسُ منبعهُ
صارَ الدليلَ إلى المعنى بلا وَهَنِ.
وإليكم نص”كبش العيد وأسيرٌ فلسطيني” للدكتور مروان عرنوس، والذي سأتبعه بقراءة تحليلية دلاليّة.
قصيدة “كبش العيد وأسير فلسطيني”
“لبيكَ” في عرفات قد جأرتْ وتنهكني القيودْ
وأراك يا كبشي العزيز اليوم مبتسماً سعيدْ
أتراك أعجبك الطعام ونلت أشهى ما تريدْ ؟!
أم همتَ بالحبل الجميل ولحن أجراس الحديدْ؟
أم إنهم قد أكرموك فأنت ضيفهمُ الجديدْ!؟
فاسعد بساعاتْ تمرّ سعيدةً تُتلى بِعيدْ
أما أنا فتمرّ أيامي فتضنيها الجروحْ
فمصائبي قد قوّست ظهري وأضنتني القروحْ
مرّتْ سنون ولم أزلْ في بئر أحزاني النضوحْ
والهمُّ ينفثُ سمّه, والقلبُ مكمودٌ طريحْ
والموت يأبى أن يخلِّصَني الحياة فأستريحْ
فاتركْ طعامَك برهةً واسمع لمحزونٍ ينوحْ
أو..لا …فأخبرني عن القربى ذويك من الخرافْ؟
أبواك… أين هما؟ وأين بنوك؟ والأهلُ الضعافْ؟
أترى نسيتَهمُ؟ وبات الأمنُ يفترش الشغافْ
وسُررتَ بالبسماتِ كالولهان يُسعدُه الزفافْ
واختلتَ بالقرنينِ تنطح من تشاء ولاتخافْ
أنسيتَ ماتُخفي لك الأقدارُ في أقصى المطافْ؟
أترى همُ في الحبلِ مثلك… ما اشتهوا همْ يأكلونْ؟
أم إنهم نحروا؟؟! وهل تدري لماذا تنحرونْ؟!!
أما أنا هيهات أنسى والدي, أمي الحنونْ
وأحبّتي الأطهار كم ألقى لفقدهمُ الشجونْ
فاسأل دموعي فهي عني سوف تنبيك اليقينْ
فانا كنايٍ…… لاتنادمني فيشجيك الأنينْ
وهمُ كمثلي لن يطيبَ رقودُهمْ فوق الحريرْ
فضلوعُهمْ ضاقتْ بآهاتٍ شكتْ منها الصدورْ
أنا لستُ أدري ما أصابهمُ ومَنْ يُدري الأسيرْ؟
أترى همُ حجّوا لبيت الله يرجون القديرْ ؟
أترى همُ يُحيونَ ليلَهمُ كمَنْ يلقى سعيرْ ؟
أترى همُ أحياء؟ أم أمسَوا رميما في القبورْ؟
أتودُّ أن تدري علام أسِرتُ ……؟يخبرك الجوابْ
يامن خُدِعتَ ولم ترمْ إلا طعامك والشرابْ
وبنيتَ من بسماتِهم أملاً على شطِّ السرابْ
فلقد أبيتُ العيشَ في ظلِّ البنادقِ الحرابْ
ورفضتُ حبلاً مثل حبلِكَ كي تسيِّرني الكلابْ
ماقيمةُ الدنيا إذا جثم الهوانُ على الرقابْ؟
وبذلتُ نفسي للذي لجلالِه عنتِ الوجوهْ
فلقد رجا الأقصى الكماةَ من الأباة لينصروهْ
فيهودُ قد سلّوا سيوفَهمُ عليه لينحروهْ
لكنها الأقدار… ألقتني لسجنٍ شيّدوهْ
ليعذّبوا فيه الأبيَّ بحقدِهم ويقتِّلوهْ
وليخمدوا نورَ الهدى …أنى لهم أنْ يُطفئوهْ
ستقول لي استبدلتَ أمنكَ بالقيود العاتياتْ
فلقد خسرتَ بما فعلت وسرتَ نحو الموبقاتْ
وظننتَ أنك سوف تخلدُ في الرياضِ الناضراتْ
أخطأتَ يا هذا… ففي الأغلالِ نبعُ الأمنياتْ
وظلامُ قضباني سيوصلُني لأعلى المكرماتْ
فالحرُّ يأبى أن يُهانَ على نهود الغانياتْ
أتظنّني أهوى المناصبَ والوثيرَ من الفراشْ ؟
والحقُّ يا هذا سراجٌ حوله كنتُ الفراشْ
أفدي الألوفَ مهادُها الإذلالُ منه لهم غواشْ
قد طأطئوا وتذلّلوا فالعزمُ يغزوه ارتعاشْ
فبعثتُ أنفاسي نسيما ً فيه أرواحُ انتعاشْ
وبجستُ نبعَ الحقِّ فيّاضاً ليقصدَه العطاشْ
مَن همْ كمثلكَ خدَّرت أحلامَهم حقنُ الكلامْ
حسبوا بأنهمُ نجَوا فالخصمُ أذّنَ بالسلامْ
لم يُبصروا!!! فبكفِّه الأخرى حرابٌ لانتقامْ
أتظنّهمْ هاموا بصوتِكَ حين جادوا بالطعامْ؟
أم إنَّ عينك فجّرَتْ في قلبهمْ عينَ الغرامْ ؟
بل أكرموك فأنت ذو القرنين من قومٍ عظامْ
أقبل علامَ لويتَ رأسَك كي ترى ما يجلبونْ؟
جلبوا ثيابَ العيدِ والحلوى وما قد يشتهونْ
وانظر إلى أحلى الهدايا والصغارُ يزغردونْ
فعلى الأراجيح الجميلة في الغداة سيمرحونْ
أمّا هديتُك الوحيدةُ فهي قد تبكي العيونْ
أأقولها بصراحةٍ؟ …هي مديةٌ وبها المنونْ
فغداً ستدري موقِناً لم أطعموك وأكرموكْ
وعلام بالبسمات جادوا حينما هم داعبوكْ
وغداً ستخذلك القرونُ من الردى لن ينقذوكْ
ستراهمُ اجتمعوا عليك يهلّلون لينحروكْ
وبكفّهم ماءٌ ويدنون الوعاءَ ليخدعوكْ
فإذا نُحِرتَ صُلِبتَ تقطرُ من دماك ليسلخوكْ
أتُراكَ خفتَ من المنيّة أيها الكبش الهلوعْ؟
أم قد تقمّصَك الهوانُ فبتَّ تشقى بالخنوعْ؟
أمّا أنا… فمن الردى ما كنتُ يوماً بالجزوعْ
فلقد نسجتُ بعزّتي كفني وأجريتُ الدموعْ
حزناً على من يُنحرون…. كمثل أفرادِ القطيعْ
فاعذرْ إذا أجريتُ دمعَك ..عُدْ وكُلْ كي لاتجوعْ
منّوا عليك بأن حمَوْكَ من الكواسرِ في الوثاقْ
وقضيْتَ عمرَك آمناً تشدو بأنغامِ الوفاقْ
أوليس مِقبضُ مديةِ الجزّارِ من قرنِ الرفاقْ؟!
وثيابُهمْ وفراشُهم من صوفكمْ ؟!….أم ذا اختلاقْ
أنا يا عزيزي قد بذلتُ دمي لمن رفع الطباقْ
فابذلْ دماك عساك تفدي من بطهرِ القدسِ ضاقْ
ابذلْ لحومَكَ لليتامى علَّ يقبلُها الإلهْ
والصوفَ للبطلِ المجاهدِ نصرُ من ظُلِموا مناهْ
واسمع فإسماعيلُ لمّا تُلَّ واللهُ ابتلاهْ
لجبينه, ذو العرشِ بالكبشِ السمينِ قد افتداهْ
فلكمْ بهذا أسوةٌ فالموتُ قد مُدّتْ يداهْ
والعيدُ بالتكبير أقبلَ…. فالمؤذنُ قد حداهْ
وغداً سيقتلُني اليهودُ يديَّ شدّوا للوارءْ
ويكمّني ويعصّب العينين جندٌ أشقياءْ
عجباً يهلّلُ ناحروك وأنت تجهر بالثُغاءْ
ويخيف تكبيري اليهودَ وقد جرتْ مني الدماءْ
فأنا الشهامةُ يا عزيزي والكرامةُ والإباءْ
حتى وإن أُقتَل أظلُّ اُخيفُ من فرضَ العداءْ
إذ إنني ألقى الردى برضا ومن غير امتعاضْ
فبذاك قد حكم الإله فليس في قلبي اعتراضْ
إذ ما خُلقْتُ لكي أُنعّمَ في هوانٍ بالرياضْ
فإذا قضوا هذي الحياة وليس حبلُهمُ بقاضْ
فإلى جناني سوف ألقاها متى اشتدّ المخاضْ
حسبي بأن ألقى إلهي وهو عنّي جدُّ راضْ
قمْ فلنعشْ والعيدَ ساعاتٍ نكبّر صادقينْ
نحيي ظلامَ الليلِ لله العظيم مسبِّحينْ
فإذا رآني العيدُ أذرفُ والأنام يُزغردونْ
واستنكرَ العبراتِ تجري من ينابيع الشجونْ
سأجيبُ لستَ بعيدِ نا !!بل أنت عيدُ المُترَفينْ
عيدي بجنّاتي فللرحمن قد طال الحنينْ
تنهض قصيدة مروان عرنوس على بناءٍ رمزيّ مركّب يجعل من “كبش العيد” قريناً وجودياً للأسير الفلسطيني تتقاطع الدلالات الدينية بالتجربة الوطنية، ويتحوّل الحوار الشعري إلى فضاءٍ دراميّ تتجاور فيه البراءة مع المأساة، والاحتفال مع الفداء، والحياة مع استحضار الموت بوصفه خلاصاً وارتقاءً. ومنذ المطلع، تتعالق عبارة “لبيك” مع فضاء عرفات، وتنفتح القصيدة على أفق شعائري يربط بين الحجّ والأضحية، ليؤسّس الشاعر لبنية موازاة بين الطقس الديني وواقع الأسر، فيغدو الأسير في مقام الملبّي، بينما تتكثّف القيود بوصفها نقيضاً لحريّة التلبية، فتتشكّل مفارقة دلالية عميقة بين النداء والانحباس.
ويقوم الخطاب الشعري على تقنية الالتفات والحوار، فيخاطب الأسير الكبش على أنّه “الآخر القريب”، فيتحوّل الكبش من موضوع طقسي إلى ذاتٍ مخاطَبة تحمل إمكانات التأويل. ويُبنى هذا الحوار على مفارقةٍ حادّة، فالكبش يبدو في ظاهر الصورة مكرّماً، مُطعَماً، مُزيَّناً، ومحاطاً بعنايةٍ توحي بالنعيم، في حين يكشف صوت الأسير عن معرفةٍ مأساوية بمآل هذا “الإكرام”، إذ يُفضي إلى الذبح.
وتنتقل الدلالة هنا من مستوى الوصف إلى مستوى الكشف، فيتبدّى الطعام والاهتمام اللذان أصبحا تمهيداً للمصير، لا تعبيراً عن الرحمة، فتتشكّل بنية خداعٍ رمزيّ تُحيل إلى أوهام الأمان في واقعٍ محكومٍ بالقهر.
ويتّسع الحقل الدلالي عبر استدعاء ذاكرة الفقد، فيستحضر الأسير أهله وذويه، في مقابل تساؤله عن أهل الكبش، فيتوازى الفقد الإنساني مع الفقد الحيواني في إطارٍ إنسانيّ شامل. ويأخذ هذا التوازي بعداً وجودياً تتداخل فيه صورة القطيع مع صورة الجماعة المقهورة، وتغدو “الخراف” استعارة ممتدّة تشير إلى حالة الجمع المُستباح، فتنتقل القصيدة من الخاص إلى العام، ومن الفردي إلى الجمعي ضمن حركة دلالية تصاعدية تُكثّف الإحساس بالمأساة.
ويبلغ الرمز ذروته عندما يربط الشاعر بين مصير الكبش ومصير الأسير، فيبني معادلة فدائية تتأسّس على مفهوم التضحية.
فالكبش يُقدَّم قرباناً في سياق شعائري، والأسير يقدّم نفسه قرباناً للوطن والعقيدة، وهنا تتجلّى الملحمية في أبهى صورها، ويتحوّل الفعل الفردي إلى فعلٍ كونيّ يحمل أبعاداً أخلاقية وروحية. ويُعزّز الشاعر هذا البعد باستدعاء قصة النبي إسماعيل، فتُدرج التجربة المعاصرة ضمن سياق دينيّ عميق يضفي على المعاناة معنى الاختبار والاصطفاء، ويمنح الفداء بُعداً قدرياً يتجاوز حدود اللحظة التاريخية. وتتجلّى براعة الشاعر في قدرته على توظيف التناصّ الديني دون أنْ يفقد النصّ طابعه الإنساني، فيظلّ صوت الأسير نابضاً بالألم، مشدوداً إلى تفاصيل الواقع، فيتجاور المقدّس واليومي في نسيجٍ لغويّ متماسك.
وتُسهم الصور الشعرية في تكثيف هذا التداخل، فصورة الحبل، والقرون، والمدية، والدم تتكرّر على شكل علامات بصرية تُعيد إنتاج مشهد الذبح في أكثر من مستوى، فتغدو عناصر حسّية تُحيل إلى معانٍ رمزية أعمق، وترتبط بالقيد، والمقاومة، والشهادة. ويحضر العيد في القصيدة كمفهوم إشكالي ينقسم إلى مستويين: عيدٌ ظاهريّ يعيشه الآخرون في مظاهر الفرح والزينة، وعيدٌ باطنيّ يتجلّى في وعي الأسير بموعده مع الخلاص. ومن خلال هذا الانقسام يعيد الشاعر تعريف العيد، فيربطه بالحرية والكرامة، ويمنحه بعداً روحياً يتجاوز المظاهر الاحتفالية.
ويبلغ هذا التحوّل ذروته في خاتمة القصيدة، حيث يعلن الأسير انتماءه إلى “عيدٍ آخر”، عيدٍ مؤجّل يتحقّق في الجنة، فتتداخل النهاية الأرضية بالبداية الأخروية ضمن رؤية إيمانية تُعيد ترتيب القيم. وتكشف القراءة الدلالية عن بنية ملحمية تتأسّس على صراعٍ بين القيد والحرية، وبين الخداع والوعي، وبين الجسد والفكرة، وينتصر المعنى في النهاية على الألم، ويتحوّل الأسير إلى رمزٍ للكرامة، كما يتحوّل الكبش إلى مرآةٍ لهذا المصير.
وتنبثق من هذا التوازي طاقة رمزية عالية تجعل من القصيدة نصّاً مفتوحاً على التأويل، قادراً على احتواء التجربة الفلسطينية ضمن أفقٍ إنسانيّ شامل يتقاطع فيه الديني بالوطني، والذاتي بالجمعي. وبذلك تُرسّخ القصيدة حضور “كبش العيد” كرمز مركزي في الخطاب الشعري المعاصر، حيث يتجاوز وظيفته الطقسية ليغدو أداةً فنية تُعيد صياغة الواقع، وتمنح الألم معنى، وتحوّل الفقد إلى فعل فداءٍ ملحميّ يكتب بالدم كما يُكتب باللغة، ويظلّ حيّاً في الذاكرة والوجدان.
وفي ختام هذا المسار التأويلي تتجلّى صورة “كبش العيد” وقد تحرّرت من حدود الطقس لتستقر في فضاء الرمز، حيث يتداخل معنى الفداء مع دلالة الكرامة، وتتحوّل اللحظة الاحتفالية إلى سؤالٍ إنسانيّ عميق يعيد قراءة العلاقة بين الألم والمعنى.
فالكبش في هذا السياق يغدو علامةً على التحوّل الداخلي الذي يصيب الوعي الذي يواجه فكرة التضحية كطريق لا نهاية له. في هذا الامتداد الرمزي تقترب صورة الأسير من صورة الأضحية، وتلتقي التجربتان في نقطة واحدة عنوانها الصبر والثبات، ويتقدّم المعنى الإنساني على حدود المشهد الظاهر، ويصبح الفقد نافذةً على إدراك أوسع للحياة. وهنا تتشكّل الدلالة كبنية مفتوحة، لا تُغلق على تفسير واحد، فهي تتجدّد مع كل قراءة، ومع كل استحضار للرمز في سياق جديد.
تتوقف اللغة هنا لحظة، لتترك المعنى معلّقاً بين ما قيل وما يُفهم بين الصورة وما وراءها، ويكأنّ الصمت يتحوّل إلى جزء من الدلالة، وإلى مساحة يستقرّ فيها المعنى قبل أنْ يعاود التشكّل من جديد. ثم يعود النصّ ليتقدّم من هذا الصمت على شكل طاقة مولّدة للمعنى، حيث يغدو العيد حالة وعيٍ تتجاوز الزمن الدوري، ويغدو الكبش شاهداً على أنّ التضحية هي البداية العميقة، وأنّ الرموز عندما تستقر في الوجدان تواصل اشتغالها في اللغة والذاكرة معاً.
لعلّ هذا المقال في امتداده بين التحليل والسرد والتأويل يضيف لبنةً جديدة إلى قراءة الرمز في الأدب العربي والفلسطيني، ليُستعاد “كبش العيد علامةً ثقافيةً حيّة تتجدّد مع كل نصّ، وتكتسب حضورها من قدرتها على التحوّل من الواقع إلى الدلالة، ومن الصورة إلى الفكرة، ومن الحدث إلى الوعي. في هذا المسار، يتبدّى النصّ كرحلةٍ سردية تتقدّم من المشهد الخارجي إلى الداخل الإنساني، وتتقاطع الطفولة بالذاكرة، ويجاور الفرحُ سؤال الفقد، وتتشكل اللغة كمساحة لإعادة ترتيب المعنى. فكل تفصيلٍ في طقس العيد يتحوّل إلى خيطٍ سرديّ يربط الإنسان بتاريخٍ طويل من العادات، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام قراءةٍ جديدة ترى في الكبش أكثر من كائنٍ يُضحّى به، ليصبح رمزاً يُفكَّر به، ويُعاد إنتاجه داخل المخيال الجمعي.
ومن هنا تأتي خصوصية الكتابة عندما تتحوّل إلى فعل اكتشاف، لا إلى تسجيلٍ مباشر، فيلتقي التحليل بالإبداع، وتصبح الجملة مساحةً للتأمل. فالنصّ في صيغته السردية الإبداعية يمنح الرمز حياةً ثانية، ويعيد للصور القديمة قدرتها على الإيحاء، ويجعل من “كبش العيد” مرآةً تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الذاكرة الجماعية، والتاريخ مع الحاضر، والمعنى مع السؤال المفتوح.
وبهذا المعنى، يغدو هذا الاشتغال محاولةً للاقتراب من النصّ ككائن حيّ يتنقّل بين المستويات الدلالية، ويعيد تشكيل نفسه كلّما لامسته القراءة، فيبقى قابلاً للتأويل، مفتوحاً على الامتداد، ومحمولاً على سؤالٍ لا يكتمل يتمثّل في: كيف تتحوّل الطقوس إلى لغة، وكيف تتحوّل اللغة إلى ذاكرة، وكيف تبقى الرموز قادرة على أنْ تقول ما يتجاوز ظاهرها دائماً.

زر الذهاب إلى الأعلى