سياسة و اقتصادمقالات
الشرق الأوسط بعد إيران: هل تُعاد صياغة المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية
الشرق الأوسط بعد إيران: هل تُعاد صياغة المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية
أم أن التوازنات الكبرى لم تُحسم بعد؟
بقلم د: طارق هلال
لم تكن التطورات المتسارعة التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مجرد أحداث متفرقة أو ردود أفعال آنية على أزمات متلاحقة، بل تبدو أقرب إلى عملية إعادة هندسة شاملة للإقليم، تستخدم فيها القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والحروب السيبرانية والعمليات النفسية والتحالفات السياسية كأدوات لإعادة رسم موازين القوة والنفوذ.فعلى مدار عقود، كانت إيران تمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر أمام المشروع الإسرائيلي في المنطقة، ليس فقط بسبب برنامجها النووي أو قدراتها العسكرية، بل بسبب شبكة النفوذ التي نجحت في بنائها عبر عدد من الساحات العربية. ومن هنا ظهرت عقيدة إسرائيلية متكاملة عرفت باسم “الحملة بين الحروب”، هدفت إلى استنزاف الخصوم وإضعافهم تدريجياً دون الانزلاق إلى حرب
إقليمية شاملة.
اليوم، ومع التحولات التي تشهدها المنطقة، يبرز سؤال أكثر أهمية من مجرد مستقبل النفوذ الإيراني: هل اقتربت إسرائيل بالفعل من تحقيق رؤيتها للشرق الأوسط؟ وهل كانت الولايات المتحدة شريكاً في تنفيذ هذه الرؤية أم أن مصالحها الخاصة تقاطعت معها؟ وهل يشهد الإقليم انتقالاً من مرحلة مواجهة إيران إلى مرحلة إعادة ترتيب المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً وفق معادلات جديدة؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بإيران أو إسرائيل فقط، بل بمستقبل النظام الإقليمي العربي بأكمله، وبقدرة الدول العربية الكبرى على الحفاظ على استقلال قرارها الوطني ومنع تحول المنطقة إلى ساحة لإدارة مصالح القوى الدولية والإقليمية.
من “الحملة بين الحروب” إلى إعادة تشكيل الإقليم
عندما صاغت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مفهوم “الحملة بين الحروب” عام 2019، لم يكن الهدف تحقيق انتصار عسكري مباشر على إيران أو حلفائها، بل خلق بيئة استراتيجية تستنزف الخصوم وتمنعهم من الوصول إلى مرحلة التهديد الوجودي لإسرائيل. اعتمدت هذه العقيدة على الضربات الوقائية الدقيقة، والعمليات الاستخباراتية، والحرب السيبرانية، والعقوبات الاقتصادية، والحرب الإعلامية، مع الحرص على إبقاء المواجهة تحت سقف يمنع اندلاع حرب شاملة. وبالنظر إلى المشهد الحالي، يمكن القول إن إسرائيل حققت جانباً مهماً من أهداف هذه الاستراتيجية، حيث تعرض النفوذ الإيراني لضغوط كبيرة في عدد من الساحات الإقليمية، وتراجعت قدرة بعض الأذرع المسلحة على العمل بنفس الكفاءة التي كانت عليها قبل سنوات.
هل استخدمت إسرائيل الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها؟
الإجابة الأكثر دقة أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تتجاوز فكرة التبعية أو الاستخدام المباشر. فهناك تداخل عميق في المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، خصوصاً فيما يتعلق بمنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة قد تهدد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية. لكن من الواضح أيضاً أن الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاستخباراتي وفر لإسرائيل بيئة مثالية للتحرك وتحقيق أهدافها الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة، سواء عبر الضغوط الاقتصادية على إيران أو من خلال الانتشار العسكري الأمريكي
في المنطقة.
القواعد الأمريكية: حماية المصالح أم احتواء إيران؟
رغم أن واشنطن تبرر وجودها العسكري بحماية المصالح الدولية وأمن الطاقة والممرات البحرية، فإن الواقع يؤكد أن احتواء النفوذ الإيراني يمثل أحد أهم دوافع هذا الوجود. فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا والأردن تشكل عملياً طوق مراقبة وضغط استراتيجي يحد من قدرة إيران على التحرك بحرية أو فرض هيمنتها على الإقليم.
التطبيع… خطوة نحو الشرق الأوسط الجديد؟
لا يمكن فصل موجة التطبيع عن الرؤية الإسرائيلية طويلة المدى. فإسرائيل تدرك أن الأمن العسكري وحده لا يكفي، وأن تحقيق الاندماج الاقتصادي والسياسي في المنطقة يمثل ضمانة استراتيجية أكثر استدامة من القوة العسكرية. ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من المحللين إلى التطبيع باعتباره جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تحويل إسرائيل من دولة تواجه محيطاً معادياً إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي فاعل داخل منظومة إقليمية جديدة.
إذا تراجع النفوذ الإيراني… فمن التالي؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الصراع القادم لن يكون بالضرورة ضد دولة بعينها، بل ضد أي قوة أو مشروع قادر على تعطيل إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤى المطروحة. لذلك قد تنتقل المنافسة من ساحات القتال التقليدية إلى ملفات الطاقة والاقتصاد والمياه والممرات التجارية والتكنولوجيا المتقدمة، وهي المجالات التي ستحدد شكل النفوذ خلال العقود المقبلة.
الاقتصاد كسلاح استراتيجي
إذا كانت الحروب العسكرية قد شكلت عنوان العقود الماضية، فإن الحروب الاقتصادية مرشحة لتكون السلاح الأهم في المرحلة المقبلة. العقوبات، وتجميد الأصول، والتحكم في النظام المالي العالمي، والتصنيفات الائتمانية، وسلاسل الإمداد، أصبحت أدوات تأثير لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات. وفي عالم مترابط اقتصادياً، قد تجد بعض الدول نفسها تحت ضغط مالي واقتصادي هائل دون إطلاق رصاصة واحدة.
لبنان… هل حققت إسرائيل أهدافها؟
نجحت إسرائيل في إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية لعدد من خصومها على الساحة اللبنانية، وفرضت معادلات ردع جديدة، إلا أن الحديث عن حسم كامل ما زال مبكراً. فالتجربة التاريخية تؤكد أن معالجة الأبعاد العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء الأزمات المعقدة ذات الجذور السياسية
والاجتماعية والإقليمية.
القضية الفلسطينية… العقدة التي لم تحل
رغم كل التحولات التي شهدتها المنطقة، ما زالت القضية الفلسطينية تمثل التحدي الأكبر أمام أي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالقضية لم تختف من الوعي العربي أو الدولي، وأثبتت الأحداث أن تجاوزها أو تأجيلها لا يؤدي إلى الاستقرار الدائم، بل إلى جولات جديدة من التوتر
وعدم اليقين.
مصر ومعادلة الاتزان الاستراتيجي
وسط هذه البيئة المضطربة، تبدو مصر واحدة من الدول القليلة القادرة على الحفاظ على معادلة دقيقة تجمع بين الردع العسكري والمرونة السياسية. فالقاهرة تتحرك وفق رؤية توازن بين حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على استقرار الإقليم، وعدم الانخراط في صراعات المحاور، مع استمرار تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية بصورة متصاعدة.
وفى النهاية: ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد مواجهة مع إيران، ولا مجرد صراع بين إسرائيل وخصومها، بل عملية إعادة تشكيل واسعة للنظام الإقليمي بأكمله. بعض أهداف إسرائيل تحقق، وبعضها يواجه تحديات كبيرة، وبعضها لم يحسم بعد. لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة ستحسم فيها معارك النفوذ بالاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات بقدر ما تحسم بالقوة العسكرية.
ويبقى السؤال الأهم أمام صانع القرار العربي:
هل تملك الدول العربية مشروعاً استراتيجياً مستقلاً يضمن مصالحها وأمنها القومي
في شرق أوسط يعاد رسمه أمام أعين الجميع؟
الشرق الأوسط بعد إيران: هل تُعاد صياغة المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية أم أن التوازنات الكبرى لم تُحسم بعد؟





