مقالات

د. بكرى دردير يكتب: الطلاق الرمادي… حين يغيب الاحتواء ويبتعد القرب

د. بكرى دردير يكتب: الطلاق الرمادي… حين يغيب الاحتواء ويبتعد القرب

 

لم يعد الطلاق يقتصر على السنوات الأولى من الزواج، بل ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح جديد يُعرف بـ”الطلاق الرمادي”، وهو انفصال الأزواج بعد عقود طويلة من الحياة المشتركة، غالبًا بعد سن الخمسين، وبعد أن يكبر الأبناء ويغادروا بيت الأسرة.

إنه ليس طلاقًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم سنوات من الصمت، والجفاء، وغياب الحوار، وتحول العلاقة الزوجية إلى مجرد مسؤوليات يومية تخلو من الدفء والاحتواء.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كان يمكن تجنب هذا المصير؟

الإجابة في كثير من الحالات: نعم.

فالاحتواء هو روح الحياة الزوجية، وهو أن يشعر كل طرف بأن الآخر يسمعه، ويفهمه، ويقدره، ويمنحه الأمان النفسي. أما القرب، فلا يعني مجرد التواجد في منزل واحد، بل يعني الحضور الحقيقي في تفاصيل الحياة، والاهتمام بالكلمة، والنظرة، والابتسامة، والمشاركة في الأفراح والأحزان.

إن أخطر ما يصيب الزواج ليس كثرة الخلافات، وإنما برود المشاعر، وتحول الزوجين إلى غريبين يعيشان تحت سقف واحد. وعندما يغيب الاحتواء، يبحث كل طرف عن ذاته في عزلة صامتة، حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه الانفصال أسهل من الاستمرار.

لذلك، فإن حماية الأسرة لا تحتاج دائمًا إلى حلول معقدة، بل تبدأ بالإنصات، والاحترام، والتقدير، وتجديد مشاعر المودة، واستعادة لغة الحوار، مهما طال العمر أو امتدت سنوات الزواج.

فالقلوب لا تشيخ إذا وجدت من يحتضنها، والمشاعر لا تموت إذا رعاها الاهتمام، والزواج لا يقاس بعدد السنوات، بل بقدرة الزوجين على تجديد الحب والرحمة بينهما.

إن الطلاق الرمادي ليس قدرًا محتومًا، بل إن كثيرًا من أسبابه يمكن معالجتها إذا عاد الأزواج إلى جوهر العلاقة الإنسانية القائمة على المودة والرحمة والاحتواء والقرب.

د. بكرى دردير

زر الذهاب إلى الأعلى