أدب وثقافةصدى مصرقصص قصيرة

جاك الفزٌاعة. قصة قصيرة بقلم:روعة سنوبر

جاك الفزٌاعة

 

قصة قصيرة بقلم: روعة سنوبر

 

يُخيل إليّ أن جسدي مصنوع من القش، وُزعت أطرافي بشكل عشوائي، لقد كانوا قد ألبسوني أسمالًا بالية ، كما تناثرت خصلات شعري مشَعثة على الرغم من القبعة الموضوعة بإحكام فوق رأسي الذي لطالما شعرت بأنه ليس لي.

أمٌا ذلك الوشاح الأسود الملفوف حول عنقي فهو وإن كان لتدفئتي في أيام الشتاء، إلا أنه في أيام الصيف يشعرني بالاختناق، و دائما ما أشعر بأنه حبل مشنقة.

بالنسبة لساقيّ ، فأنا لا أملك سوى واحدة مغروسة في عمق الأرض.

كثيرة هي الطيور التي تحوم من حولي دون أن تقترب مني، بينما غالبًا ما تكون عيناي شاخصتين في الفراغ ، تتأملان وجه الأرض وصفحة السماء وتدققان في ملامح البشر، جميعهم يتحركون و يمرون أمامي، بينما أنا مصلوب هنا كالمسيح ولا أستطيع التجوال.

مرت أيام, عدة ولم أذق فيها ما يسد رمقي أو يطفئ ظمئي إلا من بعض ذرات الغبار ووريقات الشجر التي حملتها إليّ الرياح وبعض من قطرات المطر التي أغدقت بها عليّ الغيوم .

في ليالي الشتاء الطويلة  تذمرت من أهوال الطبيعة فجلدت رياحها جسدي الطري المشلوح في العراء، وصرخ الرعد في وجهي مؤنبًا، ثم صفعتني أكف الصقيع.

حين كانت الشمس تشرق قادمة من وراء الجبال، كنت أرقب بحذر ديدان الأرض وأعشاش النمل وتجوال الحشرات، رأيت النمل يسرق محاصيل القمح ويجرّ جثث الحشرات الميتة في موكب جنائزي مهيب، لكنني لم أجرؤ ولو مرة أن أشي بسرقاتهم إلى مالك الحقل، خشية أن يشنوا عليّ حملة انتقام ويجرونني جثة هامدة إلى مخابئهم السرّية .

في الصباح الباكر  أتأمل حركة الأولاد عند ذهابهم إلى مدرسة القرية، وأرقب عودتهم محاولًا الاختباء تحت ملابسي المهترئة خوفًا من شتائمهم، ولأحمي نفسي من الحجارة التي كانوا يلقونها علي, لكم كنت أغبطهم على ارتيادهم للمدرسة وعلى أوقات اللعب بالكرة أو السباحة في نهر القرية، وتمنيت لو أن هؤلاء الفتية جعلوني صديقًا لهم .

كثيرا ما كنت أنام وأصحو في المكان ذاته، لم يكن لدي أحلام كثيرة، لكن حلمًا جميلًا  طالما راودني، حلمت بأنني أسير على قدمين وأركض خلف طائرتي الورقية، رابطًا خيوطها بيدي، أركض وأركض دون توقف محاولًا التقاط خيوط الشمس والوصول إلى الغيوم والكواكب .

مرت الأيام متباطئة دون اختلاف، مما أشعرني بالملل, غير أن هذه الليلة لم تكن كسواها، في البداية ظننتني أحلم حلمًا مزعجًا, ولكن سرعان ما تحول إلى كابوس رهيب، بدأ بصوت خطوات كانت تدنو إليّ من مكان ليس ببعيد، اشتد الظلام بينما راح الغموض يلف المكان، بعد لحظات قليلة بزغ خيط ضئيل من نور القمر فتراءى لي طيف غريب يتنقل بين الشجيرات، جعل من الأغصان الكثيفة تتحرك أوراقها ملقية الرعب في قلبي، في البداية اعتقدت أنه شبح يحاول إخافتي كما يفعل الأولاد. اقترب ذلك الطيف أكثر فأكثر إلى أن تجلّت الرؤية أمام ناظري وتشكل ذلك الوحش الآدمي على هيئة رجل، أصابني الذعر وسرت رجفة الخوف في أوصالي، أيكون جنيّا قد تلبس هيئة إنسان، كان الشر يتطاير من عينيه الحمراوتين مقطبًا جبينه بوجه يوحي بالخبث والشر، في تلك اللحظات انكمشت على نفسي كقنفذ يحاول الدفاع عن نفسه، بينما لساني يهمس في أذن قلبي ” اثبت أرجوك، تماسك فأنت قوي, إياك أن تخاف ” .

أخرج الرجل سكينه بينما هو يتلفت يمينه ويساره, اقترب مني أكثر فأكثر، جفلت في مكاني الذي لم أستطع مغادرته وأنا أحاول أن أرفع كلتا يديّ مستسلمًا من دون سلاح, لكنهما أبتا أن تتحركان، حاولت أن أقفز هاربًا إلى الوراء, فتيبست متصلبًا كخشبة، ازدريت ريقي بصعوبة بالغة حين رفع سكينه موجلًا إياها في صدري طعنة طرحتني أرضًا وقبل أن يغمى عليّ تلتها طعنات أخرى لم أستطع عدها, كانت قد فصلت ساقي الوحيدة عن جسدي فلم أعد أشعر بشيء أبدًا.

بعد وقت قصير, وقبل طلوع الشمس بلحظات صحوت من غيبوبتي، تذكرت والألم يصرخ في موضع جراحي النازفة، نعم تذكرت بأنني حاولت الصراخ، ولكن تلك اليد الكبيرة الخشنة كانت قد أطبقت على فمي بإحكام فغارت صرخاتي داخلي سجينة، مختنقة في بئر عميق.

لقد أصبحت جثة مرمية هنا لم تلفظ أنفاسها بعد، كانت حبات الندى تتلألأ فوق وريقات الشجر بينما كاد الظمأ يقتلني، ساقي مبتورة أمامي ونزيف دمائي يغرقني، صرخت صرخة مدوية زلزلت أصداؤها أصحاب المنزل المجاور لحقلهم، كانت آخر الأصوات التي ترامت إلى مسامعي كلمات متسارعة وبعض الهمهمات تجلجل في أذنيّ فخِلتُني في خلية نحل مزعجة .

عاودني حلم الفزّاعة الذي دائمًا ما كان يطاردني، قادمًا من وراء الضباب المحمل بالرذاذ حاجبًا وجه الشمس, فلم يبدو منها سوى ذلك الوميض الأبيض الذي يلتف حولها متشابكًا, فلاحت صورة الفزٌاعة منتصبة في وجهي, وراحت تصد ضوء الشمس .

كنت في قاع الحلم أهذي وما أزال حيًا تحت سقف السماء مستلقيا على ظهري حين سمعت الناس يتحدثون عن المجرم الهارب من سجن المدينة, وقد أعلنت الشرطة عن مكافئة لمن يتعرف عليه ويشي بمكان تَخفيه، يبدو أن ذلك المجرم قد هرب من المدينة و لاذ بالاختباء خلف تلك الشجيرات، وحين رآني خشيَ افتضاح أمره فقام بطعني مطبقا على فمي كي لا أصرخ، ولأنني  حاولت الزحف مستلقيًا على بطني مقلدا الزواحف، سحبني إلى الخلف وبتر ساقي بعدة طعنات، وعندما استعدت وعيي لمت صرخاتي أهل القرية ليشهدوا لحظات نزعي الأخيرة.

خِلت بأن أولاد القرية قد جاؤوا ليعتذروا لي طالبين السماح, فكان بكاؤهم يمزق سمعي، أجل يا أصدقائي, إنني أسامحكم جميعًا وكم وددت لو أستطيع النهوض واللعب معكم والذهاب إلى المدرسة كل صباح، كثيرًا ما غفرت لكم مناداتي بجاك الفزُاعة، جاك الذي لم ير والديه يومًا ولا يعرف شكل وجهيهما، جاك الذي ربما كانت له عائلة سعيدة، لكن أمه قد ولدته, ثم ماتت بعد أن أوصت قريبتها التي اعتنت بها أثناء مرضها بأن تسميني جاك إحياء لذكرى والدي، والدي الذي أخاله سافر إلى بلاد بعيدة باحثًا عن عمل يكسب منه مالًا  يكفي لعيشة ميسورة، تحمينا من الفاقة والعوز، ولكنه اختفى من يومها واختفى أثره. أعتقد أنني في ذلك الوقت  مازلت جنينًا في بطن أمي، لو كنت بين عائلتي الآن لاعتنوا بي أفضل عناية، ولألبسوني ثيابًا جميلة ولأطعموني أشهى الطعام, وأغدقوا عليّ بحبهم وعطفهم .

بدأت الأصوات تتلاشى شيئا فشيئا وتتلاشى معها تلك الوجوه.

في صباح اليوم التالي قام مالك الحقل بإخاطة جراحي وإعادة ساقي الوحيدة إلى مكانها، عاد الدفء إلى أطرافي حين فردت ذراعيّ مستقبلًا أشعة الشمس الذهبية، أرقب بذور الذرة التي نُثرت بين ثنايا التراب، بينما أسراب النمل تفتش عن مئونتها من أجل شتاء جديد .

زر الذهاب إلى الأعلى