صدى مصر
أخر الأخبار

ضحايا العدسات الباردة بقلم: رقيه فريد 

ضحايا العدسات الباردة

بقلم/ رقيه فريد

 تتحول المأساة إلى محتوى.

عندما انتصرت الكاميرا على الإنسان من شهود إلي متفرجين. 

لم يعد المشهد الأكثر ألماً في كثير من المواقف المؤلمة هو الحادث نفسه،بل ذلك المشهد المكرر الذي يحيط به عشرات الهواتف التى ترتفع في الهواء وعدسات تتسابق إلى التقاط الصورة

أو تسجيل الفيديو، بينما تتراجع الأيدي التي كان من الممكن أن تمتد لإنقاذ إنسان أو تهدئة موقف أو طلب المساعدة

أصبحنا نعيش زمنًا غريبًا، تُقاس فيه سرعة رد الفعل بعدد الثواني التي يحتاجها الشخص لفتح كاميرا هاتفه

لا بعدد الخطوات التي يقطعها للوصول إلى من يحتاج إليه. وكأن بعض الناس لم يعودوا شهودًا على الواقع، بل صناع محتوى يبحثون عن لقطة جديدة تحصد المشاهدات، ولو كان ثمنها ألم إنسان أو لحظاته الأخيرة.

عندما يصبح الألم محتوي

فكم من مشاجرة كان يمكن أن تنتهي بكلمة عاقلة، لكنها تحولت إلى عرض أمام الكاميرات؟

وكم من مصاب كان ينتظر يدًا تسنده، فوجد عدسة تلاحق أنفاسه؟

وكم من امرأة تعرضت للتحرش، أو رجل تعرض للسرقة، أو أسرة فقدت عزيزًا في حادث، لتجد نفسها محاطة بالهواتف أكثر من إحاطتها بمن يقدم العون؟

التوثيق ضروري ولكن ليس دائماً أو أن يصبح بديل مد يد المساعدة

ليس المقصود هنا التقليل من أهمية التوثيق في بعض المواقف، فهناك حالات يكون فيها التصوير وسيلة لإثبات الحقوق أو كشف الجرائم أو محاسبة المعتدين. لكن الفرق كبير بين تصوير يخدم العدالة، وتصوير يتغذى على المأساة.

لأول يبدأ بعد أداء الواجب الإنساني.

أما الثاني فينسى الإنسان تمامًا، ويجعل الكاميرا هي البطل الوحيد.

لقد صنعت التكنولوجيا أدوات مذهلة، لكنها لم تصنع ضميرًا. الهاتف لا يقرر وحده، بل صاحبه هو من يختار: هل يمد يده لإنقاذ إنسان، أم يرفع هاتفه ليحصد إعجابًا عابرًا؟

المشكلة ليست في الكاميرا، وإنما في الأولويات التي تبدلت حتى صار بعض الناس يوثقون الألم أكثر مما يخففونه.

أين أختفت المسؤولية الإنسانية؟ 

المؤلم أن الفيديو ينتشر في دقائق ويحصد آلاف التعليقات

بينما يختفي السؤال الأهم: ماذا فعل الموجودون قبل أن يبدأ التصوير؟

هل حاول أحد إسعاف المصاب؟

وهل اتصل أحد بالإسعاف أو الشرطة؟

أو حاول أحد احتواء الموقف قبل أن يتحول إلى مادة يتداولها الجميع؟

لقد تربت مجتمعاتنا على أن الشهامة فعل، وأن النجدة مسؤولية، وأن إنقاذ النفس واجب قبل أي شيء آخر. أما اليوم،فيبدو أن البعض استبدل هذه القيم برغبة عابرة في السبق الرقمي

حتى أصبحت المأساة عند بعضهم خبرًا، وأصبح الإنسان مجرد مشهد.

قبل أن ترفع هاتفك… مد يدك

إننا بحاجة إلى أن نستعيد المعنى الحقيقي للحضور في حياة الآخرين. ليس كل ما يُرى يجب أن يُصوَّر، وليس كل ما يُصوَّر يجب أن يُنشر. ففي أوقات الألم، قد تكون اليد التي تمتد بالعون أغلى من ألف فيديو، وقد تكون دقيقة من الشجاعة أثمن من ملايين المشاهدات.

سيظل المجتمع بخير ما دام فيه من يضع إنسانيته قبل هاتفه، ومن يؤمن أن أعظم صورة يمكن أن يتركها في ذاكرة الناس ليست تلك التي التقطها بعدسته، بل تلك التي رسمها بموقفه حين اختار أن ينقذ إنسانًا بدلًا من أن يصوره.

زر الذهاب إلى الأعلى