النرجسي الذي يسكن بيننا…
حين يتحول الحب إلى اختبار دائم لقيمتك
مقال تحقيقي معمق… بقلم / إسراء محمد
أخطر ما في الشخص النرجسي أنه لا يدخل حياتك دائمًا بوجه مخيف, قد يدخلها بالوجه الذي كنت تنتظره طوال عمرك, يأتيك في صورة الإنسان الواثق والحنون, الكاريزمي شديد الاهتمام الذي يعرف كيف يسمعك وكيف يقول الجملة المناسبة في اللحظة المناسبة, فيجعلك تشعر أنك أمام شخص مختلف عن كل من عرفتهم من قبل, قد يراك في البداية أجمل وأذكى وأهم إنسان قابله, وقد يملأ أيامك بالاهتمام والكلمات والوعود حتى تظن أنك أخيرًا وجدت المكان الآمن الذي يمكنك أن تسقط فيه دون خوف, لكن المشكلة ليست في الطريقة التي يبدأ بها وإنما في الطريقة التي يتصرف بها عندما لا تراه بالصورة التي يريدها هو, أو عندما تقول لا, أو عندما تختلف معه, أو عندما تتوقف عن التصفيق له…
هناك لحظة دقيقة لا ينتبه إليها كثيرون, يتحول فيها الحب من علاقة بين شخصين إلى امتحان مستمر, تصبح مطالبًا بإثبات حبك, ثم إثبات ولائك, ثم إثبات أنك تفهمه, ثم إثبات أنك لا تقصد إيذاءه, ثم تجد نفسك في النهاية تدافع عن أبسط مشاعرك وكأنها جريمة تحتاج إلى محام. تقول إنك تألمت فيقال لك إنك حساس أكثر من اللازم, تعترض على كلمة جارحة فيتحول الحديث إلى أخطائك, تذكر واقعة حدثت بالفعل فيخبرك أنها لم تحدث, بهذه الطريقة تبكي من تصرفه, فيصبح هو الغاضب لأنك جعلته يشعر بالسوء, ومع الوقت يبدأ السؤال الأخطر في الظهور داخل رأسك, هل المشكلة لدي؟..
هنا بالضبط يجب أن نتوقف…
لأن كلمة نرجسي أصبحت من أكثر الكلمات تداولًا في حياتنا اليومية, حتى كادت تفقد معناها كل شخص مغرور أصبح نرجسيا وكل شخص أناني أصبح نرجسيا وكل رجل لا يهتم بمشاعر شريكته أصبح نرجسيا وكل امرأة تحب الاهتمام أصبحت نرجسية لكن علم النفس أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير النرجسية قد تكون سمة موجودة بدرجات مختلفة لدى البشر أما اضطراب الشخصية النرجسية فهو اضطراب نفسي له معايير محددة ويقوم على نمط مستمر من الشعور المبالغ فيه بالأهمية والحاجة الشديدة إلى الإعجاب والشعور بالاستحقاق والاستغلال في بعض الحالات وصعوبة التعاطف مع الآخرين ويصبح هذا النمط مشكلة عندما يكون ثابتا ومؤذيا ويؤثر بوضوح في حياة الشخص وعلاقاته.
وهذا التفريق ليس رفاهية علمية بل ضرورة لأن تشخيص الناس من وراء الشاشات قد يحول علم النفس إلى أداة للاتهام بدل أن يكون وسيلة للفهم أنت لست بحاجة إلى أن تضع تشخيصا على شخص حتى تعترف بأن سلوكه يؤذيك كما أنك لست بحاجة إلى أن تثبت أنه نرجسي مرضيا حتى تضع حدودا أمام الإهانة أو التلاعب أو الاستغلال
والأهم أن النرجسي ليس دائما ذلك الشخص الذي يدخل الغرفة ويتحدث عن نفسه باعتباره أعظم إنسان على وجه الأرض هناك صورة أكثر هدوءا وأكثر إرباكا شخص يبدو شديد الحساسية سريع الشعور بالإهانة دائم الإحساس بأنه غير مقدر أو يعتقد أن الآخرين لا يفهمونه أو يعيش في حالة مستمرة من المقارنة والشكوى الأبحاث النفسية تناقش بالفعل صورا مختلفة للنرجسية من التعبير المتعالي الواضح إلى صورة أكثر هشاشة ترتبط بحساسية شديدة للرفض والتهديد الذي يمس تقدير الذات
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل النرجسية أكثر تعقيدا من مجرد غرور الشخص قد يبدو شديد الثقة بينما يكون تقديره لذاته شديد الحساسية قد يبدو متعاليا لكنه لا يحتمل أن يشعر بأنه أقل من غيره وقد يطلب الإعجاب باستمرار لأنه يحتاج إلى إعادة تثبيت الصورة التي يريدها عن نفسه وتشير المصادر الطبية إلى أن بعض الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية النرجسية قد يحملون في الداخل مشاعر من انعدام الأمان أو الخجل أو الإذلال أو الخوف من الفشل رغم القناع الخارجي الذي يبدو واثقا ومتعاليا
وهذا لا يعني تبرير الأذى
أن نفهم لماذا يتصرف الإنسان بطريقة معينة لا يعني أن نعفيه من مسؤولية ما يفعله.
وهذه نقطة يجب أن نفهمها جيدا لأن بعض الناس يقعون في فخ التعاطف إلى درجة إلغاء أنفسهم. يقولون هو اتأذى وهو صغير هو لم يتعلم الحب هو عنده عقد هو محتاج احتواء وقد تكون هذه الاحتمالات صحيحة أو غير صحيحة لكن حتى لو كانت صحيح، فإنها لا تمنح أحدا ترخيصا لإيذائك
أنت تستطيع أن تفهم جرح شخص دون أن تسمح له بتحويل جرحه إلى جرح فيك
النرجسي قد يبحث عن الإعجاب لا بوصفه مجاملة عابرة وإنما بوصفه مصدرا مستمرا لتأكيد قيمته ولذلك قد تصبح العلاقة معه غير متوازنة هو يريد أن يسمع لكن لا يسمعك يريد أن تراعى مشاعره لكن مشاعرك تتحول إلى مبالغة يريد أن تقدر إنجازاته لكن نجاحك قد يتحول إلى منافسة يريد منك أن تتفهم غضبه لكنه لا يرى سبب غضبك
وهنا يمكن أن تبدأ العلاقة في التحول إلى شيء يشبه الميزان المختل كل شيء يدور حوله حتى عندما تكون المشكلة فيك أنت
تقول له أنا تعبت فيجيبك بقصة عن تعبه
تقول كلامك وجعني فيذكرك بما فعلته أنت منذ عام
تطلب اعتذارًا فتجد نفسك في النهاية تعتذر
وهذا ما يجعل بعض العلاقات النرجسية مربكة إلى درجة كبيرة لأن المشكلة لا تكون دائما في وجود الخلاف فكل العلاقات تختلف وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الخلاف
الإنسان السوي يمكن أن يخطئ ثم يشعر بالحرج ويستمع ويفكر ويعتذر ويحاول تعديل سلوكه أما الشخص الذي يعيش بنمط نرجسي مؤذٍ فقد يتعامل مع النقد باعتباره تهديدا لصورة ذاته فيدافع عن نفسه بشدة أو يغضب أو يحتقر الطرف الآخر أو يحاول إعادته إلى موقع أدنى وتشير المصادر الطبية إلى أن النقد أو الشعور بعدم الحصول على المعاملة الخاصة قد يثير لدى المصابين باضطراب الشخصية النرجسية الغضب أو الازدراء أو محاولة التقليل من الآخرين
ولهذا فإن أفضل اختبار لاكتشاف طبيعة الإنسان ليس كيف يعاملك عندما تكون الأمور في صالحه وإنما كيف يعاملك عندما تختلف معه
راقب “لا”…
قل لا لطلب لا تستطيع تنفيذه.
ضع حدا لا يعجبه..
ارفض الإهانة..
نجاحك أو تفوقك أو استقلالك أو اختلافك قد يكشف الكثير أيضا
الشخص الذي يحبك فعلا قد يختلف معك وقد يغضب وقد يخطئ لكنه لا يحتاج إلى تحطيم قيمتك حتى يشعر بقيمته
أما عندما تصبح حدودك سببا للعقاب واستقلالك سببا للاتهام ونجاحك سببا للتقليل واختلافك دليلا على أنك تغيرت أو أناني أو لا تحبه فهنا يجب أن تتوقف وتسأل نفسك هل أنا في علاقة أم في نظام يحتاج مني دائما أن أكون كما يريد الطرف الآخر؟
ومن أخطر الأدوات التي قد تظهر في العلاقات المؤذية ما يسمى بالتلاعب بالواقع أو Gaslighting وهو نمط يجعل الشخص يشك تدريجيا في ذاكرته أو إدراكه أو مشاعره من خلال الإنكار أو إعادة تفسير الأحداث أو التقليل من مشاعره لكن من المهم ألا نستخدم المصطلح هو الآخر بلا دقة فمجرد اختلاف شخصين في تذكر موقف لا يعني وجود تلاعب نفسي الخطر يظهر عندما يصبح إنكار الواقع وتقويض ثقة الطرف الآخر في إدراكه نمطا متكررا داخل العلاقة
لأنك في البداية قد تقول ربما فهمت خطأ, ثم ربما أنا حساس, ثم ربما أنا فعلا المشكلة, ثم بعد فترة طويلة قد تصل إلى المرحلة الأخطر أنا لا أثق في نفسي أصلا
وهنا لا يكون الشخص الآخر قد أخذ منك قرارا واحدا فقط بل يكون قد ساهم في إضعاف البوصلة التي كنت تستخدمها لاتخاذ قراراتك.
وقد يحدث شيء مشابه من خلال قلب الأدوار الشخص الذي أخطأ يصبح فجأة هو الضحية الشخص الذي جرح يصبح هو المتهم الشخص الذي يطلب احتراما يصبح دراميا الشخص الذي يعترض على الخيانة يصبح موسوسا الشخص الذي يرفض الإهانة يصبح متكبرا وكلما حاول أن يشرح نفسه اتسعت دائرة الاتهام
وهذا النوع من العلاقات يستهلك طاقة هائلة لأنك لا تعيش الحدث فقط وإنما تعيش بعده ساعات وأياما في محاولة لإعادة بناء الحقيقة ماذا حدث؟ ماذا قلت؟ ماذا قال؟ هل أنا ظلمته؟ هل ظلمت نفسي؟ هل كان يجب أن أسكت؟
ولهذا قد يكون الشخص الذي يعيش طويلا في علاقة مضطربة بحاجة إلى استعادة الثقة في حكمه على الأمور لا إلى الدخول في معركة لا تنتهي لإثبات أن الطرف الآخر مخطئ.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يهم القارئ أكثر من أي تعريف كيف أتعامل معه؟
الإجابة الأولى قد تبدو بسيطة لكنها الأصعب في التنفيذ لا تدخل كل معركة
ليس معنى ذلك أن تستسلم وإنما أن تعرف أي معركة تستحق طاقتك بعض النقاشات لا يكون هدفها الوصول إلى الحقيقة وإنما إبقاؤك في حالة دفاع مستمر وكلما شرحت أكثر فتح باب جديد للجدال
لذلك كن واضحا وقليل الكلام عندما تضع حدا
أنا لا أقبل الإهانة
إذا ارتفع الصوت سأنهي الحوار
هذا القرار يخصني
أستطيع مناقشة المشكلة لكنني لن أقبل التجريح
ثم افعل ما قلت
الحدود التي لا تتبعها أفعال تتحول مع الوقت إلى مجرد طلبات
ولا تجعل هدفك أن تجبر الشخص الآخر على الاعتراف بخطئه أحيانا يكون انتظار الاعتراف هو الفخ الذي يبقيك داخل العلاقة المؤذية قد تقضي سنوات وأنت تريد منه فقط أن يقول أنت كنت على حق وربما لا يقولها أبدا
لكن حقيقة شعورك لا تحتاج إلى ختم من الشخص الذي تسبب فيه
إذا قال لك أحدهم كلمة جارحة فأنت تعرف أنها جرحتك حتى لو أخبرك أنها كانت مزحة
وإذا تم انتهاك حد من حدودك فأنت تعرف ذلك حتى لو أعاد الطرف الآخر صياغة القصة بطريقة مختلفة
وإذا أصبحت العلاقة تجعلك أقل ثقة بنفسك وأكثر خوفا وأكثر توترا وأشد تعلقا برضا شخص آخر فهذه علامة تستحق التوقف بصرف النظر عن الاسم العلمي الذي سنضعه على الطرف الآخر.
وهنا تأتي واحدة من أخطر الأفكار التي يجب التخلص منها أنا هغيره
لا أحد يستطيع أن يقوم بالعلاج النفسي بدلا من شخص آخر
ولا يمكن للحب وحده أن يعالج اضطراب شخصية
ولا تستطيع التضحية المستمرة أن تصنع التعاطف داخل إنسان لا يريد أن يرى مشكلته
العلاج النفسي هو المحور الأساسي لعلاج اضطراب الشخصية النرجسية وقد يكون طويلا ويحتاج إلى تعاون الشخص نفسه واستعداده للعمل على أنماط تفكيره وعلاقاته كما لا توجد أدوية معتمدة خصيصا لعلاج اضطراب الشخصية النرجسية نفسه وإن كانت بعض الأدوية قد تستخدم لعلاج أعراض أو اضطرابات مصاحبة بحسب تقييم الطبيب
إذن لا تجعل نفسك مشروع علاج لشخص آخر
يمكنك أن تدعمه إذا كان يريد المساعدة.
يمكنك أن تفهمه
يمكنك أن تتعاطف معه
لكن لا تجعل التعاطف سببا في التخلي عن نفسك
وفي الزواج تصبح الصورة أكثر حساسية لأن النصيحة السريعة بالانفصال ليست حلا لكل شخص هناك أطفال ومسؤوليات وأوضاع اقتصادية وعائلات وأحيانا سنوات كاملة من الحياة المشتركة لذلك يجب أن يكون التعامل واقعيا حماية الحدود تقليل الجدالات العقيمة عدم كشف نقاط الضعف في لحظات الصراع والحفاظ على قدر من الاستقلال طلب الدعم النفسي والاستعانة بالمختصين عند وجود إساءة مستمرة أو تهديد أو عنف
أما إذا وصل الأمر إلى عنف أو تهديد مباشر فهنا لا نتحدث عن حيلة للتعامل مع النرجسي بل عن أولوية اسمها السلامة
وفي العمل قد يظهر الشخص ذو السمات النرجسية في صورة المدير الذي يريد أن ينسب كل نجاح إليه أو الزميل الذي يرى إنجاز الآخرين تهديدا له أو الشخص الذي يرفض الاعتراف بالخطأ ويبحث دائما عن كبش فداء وفي هذه الحالات لا تكون الحكمة في تحويل مكان العمل إلى معركة شخصية وإنما في التعامل بالحقائق وتوثيق ما يلزم والالتزام بالتواصل المهني وعدم تحويل الخلاف إلى معركة لإثبات من الأفضل
لكن هناك سؤالا أعمق من كل ذلك لماذا نبقى؟
لماذا يعرف الإنسان أحيانا أن العلاقة تؤذيه ومع ذلك لا يستطيع الخروج منها؟
لأن التعلق لا يعمل بالعقل وحده
نحن لا نتعلق بالأذى وإنما قد نتعلق باللحظات التي سبقت الأذى وبالأمل في عودتها نتعلق بالنسخة الأولى من الشخص بالرسالة الجميلة بعد أسبوع من التجاهل بالاعتذار بعد الإهانة باليوم الذي عاد فيه حنونا بعد أيام من البرود وبذلك يدخل الإنسان في دائرة من الألم ثم الراحة والقلق ثم الطمأنينة والرفض ثم القرب فيصبح انتظار اللحظة الجيدة جزءًا من تعلقه بالعلاقة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس هل كان يحبني؟
بل ماذا تفعل هذه العلاقة بي الآن؟
لأن أجمل بداية في العالم لا تمنح علاقة مؤذية شهادة صلاحية إلى الأبد
لا تقيس العلاقة بأجمل أسبوع فيها وإنما بالنمط الذي يتكرر خلال الشهور والسنوات
كيف يتعامل مع ضعفك؟
كيف يتعامل مع نجاحك؟
كيف يتعامل مع اختلافك؟
كيف يتعامل مع رفضك؟
كيف يتعامل مع اعتذاره؟
وهل يتغير السلوك فعلا أم تتغير الكلمات فقط؟
هذه الأسئلة أكثر قيمة من البحث عن قائمة جاهزة تقول لك إذا فعل خمسة أشياء فهو نرجسي
لأن الإنسان ليس قائمة أعراض
والعلاقة ليست اختبارًا إلكترونيا
والتشخيص مسؤولية متخصص
لكن حماية نفسك مسؤوليتك أنت
وربما يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان الخارج من علاقة نرجسية أو مؤذية هو ألا يحول تجربته إلى كراهية لكل الناس. ليس كل شخص سيئا نرجسيا وليس كل خلاف تلاعبا وليس كل شخص أخطأ عاجزا عن التغيير كما أن وضع الحدود لا يعني أن تصبح قاسيا والتسامح لا يعني أن تلغي نفسك
النضج الحقيقي هو أن تعرف الفرق
أن تستطيع أن تقول أفهمك لكنني لا أقبل هذا
أتعاطف معك لكنني لن أسمح لك بإيذائي.
أحبك لكنني لا أستطيع أن أحبك على حساب نفسي.
هذه ليست أنانية
هذه هي الحدود التي تحمي الحب من أن يتحول إلى استنزاف وتحمي الإنسان من أن يختفي داخل علاقة كان من المفترض أن تمنحه مساحة للحياة
وفي النهاية ربما تكون أخطر جملة يمكن أن يسمعها شخص عاش طويلا مع نرجسي ليست أنت مخطئ وإنما أنت لا تعرف نفسك
لأن الإنسان يستطيع أن يتحمل خلافا ورفضا وحتى فراقا لكنه عندما يبدأ في الشك في نفسه يفقد أهم شيء يحتاج إليه كي يخرج من أي علاقة مؤذية البوصلة الداخلية
لذلك إذا وجدت نفسك يوما تشرح مشاعرك لشخص للمرة المئة وتدافع عن حقك في الاحترام للمرة الألف وتعتذر فقط لأنك تريد أن ينتهي الصراع وتراقب مزاج شخص آخر حتى تعرف هل يحق لك أن تكون سعيدا اليوم أم لا فتوقف
لا تسأل فقط هل هو نرجسي؟
اسأل: «من أصبحت أنا وأنا معه؟
هل أصبحت أكثر هدوءا أم أكثر خوفا؟
أكثر ثقة أم أكثر شكا؟
أكثر حرية أم أكثر حذرا؟
هل تستطيع أن تكون نفسك أم أنك أصبحت نسخة محسوبة بعناية حتى لا تغضبه؟
لأن العلاقة الصحية لا تجعلك تعيش في امتحان دائم ولا تجعلك تدفع ثمن كل اختلاف ولا تطلب منك أن تصغر حتى يشعر شخص آخر بأنه كبير
الحب الحقيقي لا يحتاج منك أن تختفي كي يستمر
والاحترام لا يمنح كمكافأة على حسن السلوك
وقيمتك ليست شيئا يملكه شخص آخر ويقرر كل صباح أن يمنحك منه قليلا أو يمنعه عنك
وربما تكون اللحظة الفاصلة في حياة الإنسان هي اللحظة التي يفهم فيها أن مهمته ليست أن يقنع شخصا آخر بأنه يستحق الحب وإنما أن يتوقف عن قبول علاقة تجعله يشك أصلا في أنه يستحقه
فالنرجسي قد ينجح في أن يجعلك تطارد رضاه وتراجع كلماتك وتعتذر عن غضبك وتشك في ذاكرتك وتبحث عن الخطأ في نفسك
لكن انتصاره الحقيقي لا يحدث عندما تخسره
انتصاره الحقيقي يحدث عندما تخسر أنت نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ به
ولهذا فإن النجاة لا تبدأ عندما يتغير هو
ولا عندما يعترف
ولا عندما يعتذر
ولا عندما يمنحك الإذن بالرحيل
النجاة تبدأ في اللحظة التي تستعيد فيها حقك في أن تصدق شعورك وتضع حدودك وتحمي كرامتك وتفهم أن الحب الذي يطلب منك أن تفقد نفسك كي تحافظ عليه لم يعد حبا يحتاج إلى مزيد من التضحية بل سؤالا يحتاج إلى إجابة
هل أريد أن أنقذ العلاقة أم أريد أخيرا أن أنقذ نفسي؟







