القرار العادل لا يخشى المراجعة…
تحية لمدير مديرية التربية والتعليم بالجيزة الأستاذ سعيد عطية
لإعادة ثلاثة معلمين كان قد تم استبعادهم إلى الواحات
بقلم: نجوى نصر الدين
في الإدارة الرشيدة، ليست قوة المسؤول في أن يصدر القرار فقط، وإنما في أن يمتلك الشجاعة لمراجعة قراره عندما تتغير المعطيات أو تتضح له جوانب جديدة من الصورة.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي اتخذه الأستاذ سعيد عطية، وكيل وزارة التربية والتعليم، بشأن إعادة ثلاثة معلمين سبق استبعادهم من أطفيح إلى الواحات، ثم مراجعة القرار وإعادتهم مرة أخرى.
قد يرى البعض أن مراجعة القرار مجرد إجراء إداري، لكن الحقيقة أن وراء كل قرار إداري إنسانًا، وأسرةً، ومستقبلًا وظيفيًا، وظروفًا اجتماعية ومعيشية ينبغي أن توضع في الاعتبار.
فالمعلم ليس مجرد رقم في كشف نقل، ولا اسمًا في قرار إداري؛ إنه إنسان له التزامات وظروف، وهو في النهاية أحد أعمدة العملية التعليمية.
والإدارة الناجحة لا تقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين مقتضيات العمل ومراعاة البعد الإنساني.
ولعل أجمل ما في مراجعة أي قرار أنها تؤكد أن المسؤول لا يتعامل مع قراره باعتباره أمرًا لا رجعة فيه، وإنما باعتباره وسيلة لتحقيق الصالح العام. فإذا ظهر ما يستدعي المراجعة، فإن الرجوع عن القرار لا يمثل ضعفًا، بل قد يكون دليلًا على قوة المسؤول وثقته في نفسه وقدرته على تصحيح المسار.
إن المسؤول الذي يراجع قراره عندما يكتشف أن هناك ما يستوجب المراجعة، أكثر قوة من مسؤول يتمسك بقرار لمجرد أنه صدر عنه.
فالتمسك بالخطأ ليس حزمًا، كما أن تصحيح القرار ليس تراجعًا.
وفي ملف المعلمين الثلاثة، فإن إعادتهم تحمل رسالة مهمة لكل العاملين في الميدان التربوي: أن القرار الإداري يمكن أن يخضع للمراجعة، وأن صوت العدالة والإنصاف ينبغي أن يظل حاضرًا في الإدارة التعليمية.
وهنا تستحق هذه الخطوة الإشادة، ليس لأنها أعادت ثلاثة معلمين إلى أماكن عملهم فحسب، وإنما لأنها تضع أمامنا مفهومًا أوسع للإدارة: إدارة تسمع، وتراجع، وتصحح، وتضع الإنسان في قلب القرار.
نحن في حاجة إلى هذه الروح في مؤسساتنا التعليمية؛ روح لا ترى في التراجع عن قرار غير مناسب هزيمة، ولا تعتبر الاعتراف بالحاجة إلى التصحيح انتقاصًا من هيبة المسؤول.
فالهيبة الحقيقية للمسؤول لا تأتي من صرامة القرار، وإنما من عدل القرار.
وإذا كان إصدار القرار يحتاج إلى مسؤول، فإن مراجعة القرار تحتاج أحيانًا إلى مسؤول أكثر شجاعة؛ لأنه يستطيع أن يقول ببساطة: لقد راجعنا الأمر، ووجدنا أن المصلحة تقتضي تعديل المسار.
وهذا هو الفارق بين سلطة القرار ومسؤولية القرار.
لذلك، فإن التحية هنا ليست لشخص بعينه بقدر ما هي تحية لمبدأ إداري نحتاج إلى ترسيخه: أن العدل لا يخشى المراجعة، وأن المسؤول الناجح هو من يملك شجاعة التصحيح عندما تقتضي المصلحة ذلك.
وكل التحية للأستاذ سعيد عطية، وكيل وزارة التربية والتعليم، على إعادة النظر في موقف المعلمين الثلاثة وإعادتهم، متمنين أن تظل هذه الروح حاضرة في كل القرارات التي تمس المعلمين والعاملين بالمنظومة التعليمية.
فالمعلم يحتاج إلى قانون يحميه، وإدارة تنصفه، ومسؤول يسمع صوته.
وفي النهاية، تبقى قاعدة بسيطة لكنها عظيمة:
ليس العيب أن نراجع قرارًا اتخذناه…
العيب أن نعرف أنه يحتاج إلى مراجعة ونرفض مراجعتَه.
فالقرار العادل لا يخشى المراجعة…
والمسؤول العادل لا يخشى أن ينتصر للإنصاف.









