حين أصبحنا نتتبع العورات
بقلم: محمود سعيد برغش
في زمنٍ أثقلت فيه الحروب كاهل العالم، واشتدت فيه الأزمات الاقتصادية، وارتفعت الأسعار، وضاقت معيشة كثير من الأسر، وأصبحت الكوارث الطبيعية والأحداث المتلاحقة تطرق أبوابنا يومًا بعد يوم، وجدنا أنفسنا أمام مشهد آخر لا يقل إثارة للقلق: تحول بعض مظاهر الترف والابتذال إلى مادة يومية للفرجة والجدل والترند.
لم نعد نكتفي بأن نعرف ما يحدث حولنا، بل أصبحنا نلاحق التفاصيل، ونبحث عن المقاطع، ونتتبع المشاهد الخاصة، وننشر ما كان ينبغي أن يُستر.
ولعل ما شهدته بعض حفلات الساحل الشمالي في الفترة الأخيرة، وما صاحب بعضها من مظاهر أثارت جدلًا واسعًا، وما تداولته مواقع التواصل من مقاطع عن حفلات بعض المطربين والفنانين، وكذلك ما أثير حول وقائع تحرش أو سلوكيات غير لائقة، وما حدث من جدل حول واقعة تخص الكابتن حسام حسن، كل ذلك فتح بابًا أوسع من مجرد الحديث عن حفلة أو فنان.
السؤال الحقيقي هو: ماذا حدث لنا نحن؟ من النقد إلى تتبع العورات
من حق المجتمع أن ينتقد السلوك العام عندما يتحول إلى ظاهرة، ومن حق الإنسان أن يرفض الفحش والابتذال والإسراف، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين إنكار المنكر وبين تحويل المنكر نفسه إلى سلعة إعلامية.
قال الله تعالى: «﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾»
وقال سبحانه: «﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾»
وهنا يجب أن نتوقف طويلًا. فهل نحن اليوم نواجه الفاحشة بالرفض والتقويم، أم أننا أحيانًا نساعد على انتشارها بمجرد إعادة نشر صورها ومقاطعها؟
قد يشاهد الإنسان مقطعًا ليرفضه، ثم يعيد نشره بحجة فضحه، فيكون عمليًا قد ساهم في وصوله إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص.
وهنا يتحول إنكار المنكر إلى صناعة للترند. ليس كل غني مذنبًا
الإسلام لم يحرم الغنى، ولم يجعل امتلاك المال جريمة.
قال الله تعالى: «﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾»
فالإنسان من حقه أن يعيش حياة كريمة، وأن يستمتع بما أحل الله له، وأن ينفق من ماله في الحلال.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال إلى استعراض للقوة والطبقة والقدرة على الإنفاق بلا حدود، خصوصًا عندما يصبح البذخ وسيلة لإذلال الفقراء أو استفزاز مشاعر مجتمع يعاني فيه كثيرون من ارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة.
قال سبحانه: «﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾»
وقال: «﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾»
إذن القضية ليست أن يكون الإنسان غنيًا، وإنما كيف حصل على المال؟ وكيف ينفقه؟ وهل أصبح المال وسيلة للخير أم وسيلة للفخر والاستعلاء والإسراف؟
الساحل ليس القضية كلها الساحل الشمالي ليس هو المشكلة وحده، ولا كل من يذهب إلى الساحل فاسد، ولا كل حفلة تعني انحلال المجتمع.
المشكلة أكبر من المكان والأشخاص. المشكلة في ثقافة بدأت تجعل الاستعراض هدفًا، والظهور قيمة، والثراء معيارًا، والجدل وسيلة للشهرة.
والمشكلة أيضًا في إعلام يلاحق المشهد الأكثر إثارة، ومنصات اجتماعية تكافئ المحتوى الأكثر صدمة، وجمهور يضغط على زر المشاهدة ثم يشتكي من انتشار ما شاهده.
نحن جميعًا جزء من هذه المعادلة.
الإعلام بين الرسالة والترند. الإعلام ليس مطلوبًا منه أن يغطي الجمال فقط، ولا أن يخفي الأخطاء، لكنه مطالب بأن يتحلى بالمسؤولية.
ليس كل ما يحدث يصلح أن يكون عنوانًا. وليس كل صورة تستحق النشر. وليس كل مقطع يستحق إعادة التداول.
وليس من المهنية أن تتحول خصوصيات الناس إلى مادة للضحك أو التشهير أو الإثارة.
الإعلام الحقيقي يستطيع أن يناقش الظاهرة دون أن يعيد إنتاجها.
يستطيع أن ينتقد الإسراف دون أن يعرض تفاصيله بطريقة تجعل الآخرين يحلمون بتقليده.
يستطيع أن يناقش التحرش دون أن يحول الضحية إلى مادة للتشهير.
ويستطيع أن ينتقد الفنان دون أن يحول حياته الخاصة إلى فرجة يومية.
الفن ليس المشكلة ليس الفن في ذاته عدوًا للمجتمع.
لكن الفن مسؤولية، والشهرة مسؤولية، والجمهور مسؤولية.
والفنان الذي يمتلك ملايين المتابعين يعلم أن ما يفعله لا يبقى داخل المسرح؛ بل يصل إلى البيوت وغرف الأطفال والمراهقين.
وهنا يصبح السؤال: هل نقدم للشباب نموذجًا للنجاح قائمًا على العلم والعمل والإبداع، أم نقدم لهم نموذجًا يقول إن الشهرة وحدها تكفي؟
الفن يمكن أن يكون راقيًا ومؤثرًا ومحترمًا، ويمكن أن يتحول إلى مجرد إثارة واستعراض.
والفاصل بين الاثنين هو القيمة التي يحملها العمل.
وماذا عن التحرش؟ التحرش جريمة أخلاقية وقانونية، ولا ينبغي أن يصبح مادة للسخرية أو التبرير.
لكن مواجهة التحرش لا تكون بتشهير عشوائي بكل من يظهر في مقطع، ولا بإطلاق الأحكام على أشخاص لم تثبت إدانتهم.
العدالة تعني أن نرفض الجريمة، ونحمي الضحية، ونترك إثبات المسؤولية للجهات المختصة.
فليس كل ما نراه على شاشة الهاتف هو الحقيقة كاملة.
وحتى المشاهير لهم حقوق
عندما تحدث واقعة عامة ويكون أحد المشاهير طرفًا فيها، يصبح من حق الجمهور معرفة الحقيقة إذا كانت الواقعة عامة وتهم المجتمع.
لكن ليس من حق أحد أن يحول حياة الإنسان إلى ساحة للقذف والإهانة.
وهنا أتوقف عند ما أثير حول الكابتن حسام حسن.
يمكن للناس أن تختلف معه، وأن تنتقد تصرفًا أو موقفًا، لكن الاختلاف لا يعني إسقاط الاحترام، والنقد لا يعني الإهانة.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم من جديد معنى:
انتقد الفعل، ولا تهدم الإنسان.
أخطر ما في الحكاية أننا أصبحنا نبحث بأنفسنا
ربما كان أخطر تحول في عصرنا ليس وجود المحتوى السيئ فقط.
بل أن الإنسان أصبح يبحث عنه بنفسه.
يكتب كلمة في محرك البحث. يفتح مقطعًا.يرسل رابطًا.
يصنع تعليقًا. ثم يعيد نشره.
ثم يتساءل: لماذا انتشر هذا المحتوى؟
لقد أصبحنا أحيانًا مثل من يشكو من انتشار النار، بينما يحمل في يده عود الثقاب.
قال النبي ﷺ: ««يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم»»
وقال ﷺ: ««من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»»
وهذا لا يعني أن نسكت عن الجريمة أو الفساد.
بل يعني أن نعرف الفرق بين الإصلاح والتشهير، وبين النصيحة والفضيحة، وبين كشف الجريمة وتتبع العورات.
أين نحن من هذه المعاني؟ نحن نتحدث كثيرًا عن الاقتصاد.
نتحدث عن الأسعار. نتحدث عن الحروب. نتحدث عن المستقبل.
لكن ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتحدث عن الإنسان نفسه.
عن أخلاقه. عن نظرته إلى المال. عن احترامه للخصوصية.
عن طريقة استخدامه للهاتف. عن قدرته على أن يرى شيئًا لا يعجبه ثم يغلقه بدلًا من أن ينشره.
عن قدرته على أن يقول: هذا خطأ، لكنني لن أكون جزءًا من انتشاره.
لا نحاكم الناس من وراء الشاشات هناك فرق بين المجتمع الذي يحاسب نفسه، والمجتمع الذي يستمتع بمحاكمة الآخرين.
الأول يبحث عن الإصلاح.والثاني يبحث عن الفرجة.
والدين لا يريد منا أن نكون قضاة على الناس في كل صغيرة وكبيرة.
قال تعالى: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾»
ولهذا يجب أن نتوقف عن بناء الأحكام على مقطع مدته ثوانٍ، أو صورة مبتورة، أو عنوان مثير.
ما يحدث حولنا يجب أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا، لا إلى مطاردة فضائح الآخرين.
نعم، نرفض الفحش. نرفض التحرش. نرفض الإسراف والتبذير. نرفض تحويل المال إلى وسيلة للاستعلاء.
نرفض أن يصبح الإعلام أسيرًا للترند. ونرفض أن تتحول مواقع التواصل إلى سوق مفتوحة للعورات والفضائح.
لكن في الوقت نفسه، نرفض التشهير والقذف والظلم والتعميم.
فليس المطلوب أن نعيش في مجتمع منافق يخفي أخطاءه، ولا في مجتمع فوضوي يكشف كل شيء.
المطلوب مجتمع يعرف متى يتكلم، ومتى ينصح، ومتى ينكر، ومتى يصمت، ومتى يستر.
لقد طرقنا أبواب العالم كله بحثًا عن تفسير لما يحدث حولنا، وربما آن الأوان أن نطرق بابًا آخر:
باب أنفسنا. فالمشكلة ليست فقط فيمن يقف على المسرح، ولا فيمن يرقص، ولا فيمن يملك المال.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المشاهد نفسه جزءًا من المشهد.
عندما تصبح العورة محتوى. والفضيحة خبرًا. والابتذال ترندًا. والبذخ بطولة. والشهرة غاية.
عندها لا نكون قد شاهدنا العورات فقط… بل أصبحنا نتتبعها.
محمود سعيد برغش








