الجزر الحرارية الرقمية.. عندما تعيد مراكز البيانات
رسم خريطة حرارة المدن
بقلم: د. رشا ربيع الجزار
لم تعد حرارة المدن تأتي فقط من الإسفلت والخرسانة والسيارات والمباني المتلاصقة.
في عصر الذكاء الاصطناعي، يظهر لاعب جديد على خريطة المناخ الحضري: مراكز البيانات.
مبانٍ قد تبدو من الخارج صامتة وعادية، لكنها في الداخل تضم آلاف الخوادم التي تعمل بلا توقف، وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء وتنتج حرارة تحتاج إلى أنظمة تبريد مستمرة.
ومن هنا بدأت تظهر ظاهرة جديدة تلفت أنظار الباحثين: «الجزر الحرارية الرقمية»؛ وهي مناطق يمكن أن تضيف فيها مراكز البيانات حرارة محلية إلى البيئة المحيطة بها، فوق تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية التقليدية.
من جزيرة حرارية إلى «جزيرة رقمية»
لطالما عرف الجغرافيون والمناخيون ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية، حيث تكون المدن أكثر دفئًا من المناطق المحيطة نتيجة كثافة المباني والأسفلت وقلة المساحات الخضراء.
لكن الدراسات الحديثة تطرح سؤالًا جديدًا: ماذا يحدث عندما تضاف إلى هذه المنظومة مصادر حرارية ضخمة مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية؟
دراسة حديثة عن فينيكس قدمت مفهوم «الجزر الحرارية الرقمية»، ووجدت أن درجة حرارة سطح الأرض قرب مراكز البيانات كانت في المتوسط أعلى بنحو نصف درجة مئوية من متوسط منطقة فينيكس الحضرية، مع اختلاف التأثير من موقع إلى آخر.
وفي دراسة أخرى، وجد باحثون من جامعة ولاية أريزونا أن الحرارة المنبعثة من مكثفات الهواء في أربعة مراكز بيانات قرب فينيكس رفعت درجات حرارة الهواء في أحياء تقع أسفل اتجاه الرياح بما يتراوح بين 1.3 و4 درجات فهرنهايت.
وهنا تصبح المسألة جغرافية بامتياز:
أين يقع مركز البيانات؟
ومن يعيش حوله؟
وإلى أين تتحرك الحرارة التي ينتجها؟
الخريطة الجديدة للحرارة المثير في الظاهرة أنها لا تتعلق بمركز البيانات باعتباره مبنى منفردًا، وإنما بالمكان الذي اختير له.
فموقع مركز البيانات يرتبط بتوافر الكهرباء، وشبكات الاتصالات، والأرض، والمياه، والبنية التحتية.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن الآثار البيئية والاقتصادية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تختلف باختلاف الموقع، وشبكات الكهرباء، وتوافر المياه، واستخدامات الأراضي. وبذلك يمكن أن تصبح الخريطة الرقمية جزءًا من الخريطة المناخية للمدينة.
من يدفع ثمن الحرارة؟
هنا يظهر بُعد آخر أكثر حساسية: العدالة البيئية.
إذا أقيمت مراكز البيانات بالقرب من أحياء تعاني أصلًا ارتفاع درجات الحرارة ونقص المساحات الخضراء، فإن الحرارة الإضافية قد تزيد من تعرض السكان للإجهاد الحراري، وترفع الطلب على أجهزة التكييف واستهلاك الكهرباء.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن مراكز البيانات قد تضيف عبئًا حراريًا إلى أحياء تعاني بالفعل من تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية، مع ضرورة إجراء مزيد من الدراسات لفهم التأثيرات طويلة المدى.
وهنا لا يعود السؤال:
أين نضع مركز البيانات؟
بل يصبح:
أين نضعه دون أن نخلق مشكلة بيئية جديدة للسكان؟
الجغرافيا أمام تحدٍ جديد
هذه الظاهرة تفتح بابًا جديدًا أمام الجغرافيا الحضرية.
فلم تعد دراسة المدينة تعتمد فقط على توزيع السكان والمباني والطرق والأنشطة الاقتصادية، وإنما أصبح علينا أن نضيف إلى الخريطة البنية التحتية الرقمية ومصادر حرارتها واستهلاكها للطاقة والمياه.
وهنا يمكن لنظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي نفسه أن تساعد في تحديد المناطق الأكثر تعرضًا للحرارة، ومراقبة التغيرات في استخدامات الأراضي، واختيار المواقع الأقل تأثيرًا لإنشاء مراكز البيانات.
أي أن التكنولوجيا التي تصنع المشكلة يمكن أن تساعد أيضًا في رسم الحل.
وماذا عن المدن العربية؟ السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لنا:
هل يمكن أن تظهر هذه الظاهرة في المدن العربية؟
مع ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الحر، والتوسع في المدن الذكية، ونمو الطلب على الخدمات الرقمية، تصبح دراسة العلاقة بين مراكز البيانات والمناخ الحضري قضية تستحق أن تدخل أجندة التخطيط العمراني العربي مبكرًا.
فالمدينة العربية المستقبلية لن تحتاج فقط إلى طرق ومبانٍ وشبكات كهرباء ومياه، وإنما ستحتاج أيضًا إلى بنية تحتية رقمية ضخمة.
والتحدي هو ألا تتحول هذه البنية إلى مصدر جديد للحرارة في مدن تعاني أصلًا من الاحترار.
الخلاصة ربما اعتدنا أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره شيئًا يحدث داخل شاشاتنا.
لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي أصبح له مكان على الأرض.
ولهذا المكان حرارة، ومياه، وطاقة، ومساحة، وسكان.
ومن هنا تظهر واحدة من أهم التحولات الجغرافية في العصر الرقمي:
لم تعد الخوارزميات تعيش في الفضاء الافتراضي فقط..
لقد بدأت تترك بصمتها على الخريطة.
وقد يكون السؤال الذي يجب أن يطرحه مخططو المدن من الآن فصاعدًا:
عندما نبني مدينة ذكية..
هل نبنيها أيضًا لتكون مدينة أكثر برودة وعدالة واستدامة؟.







