حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (11)
طِيبَةُ القَلْبِ لَا تُلْغِي حِكْمَةَ العَقْلِ
بقلم د. محمود طه
كانت هناك فتاة تُدعى جميلة، وكانت جميلة حقًّا في أخلاقها قبل أن تكون جميلة في ملامحها؛ نقيةَ القلب، طيّبةَ النفس، تحب الخير للجميع.
تربّت جميلة في أسرة متديّنة؛ فوالدها الشيخ صالح رجلٌ طيّب، ووالدتها الحاجة عفاف كانت تُعطي دروسًا في المسجد. وكانت جميلة ابنتهما الوحيدة، وقد رزقهما الله بها بعد سنوات طويلة من عدم الإنجاب، فربّياها على الصلاة والقرآن، وعلى مساعدة المحتاج، وفعل الخير.
وعندما وصلت جميلة إلى المرحلة الثانوية، تعرّفت إلى فتاة تُدعى زينب، فأحبّتها حبًّا كبيرًا، واعتبرتها أختًا وصديقةً وكلَّ شيء في حياتها.
كانت جميلة تحكي لزينب خصوصياتها، وما يخص أهلها وظروفهم، وكل ما يتعلق بحياتها، حتى أصبحت زينب تعرف عن جميلة وأهلها أشياء كثيرة لا يعرفها غيرها.
كانت زينب من أسرة بسيطة، بينما كانت أسرة جميلة متوسطة الحال، وكانت تعرف أن أهل جميلة يحبون الخير، ويساعدون المحتاجين.
وفي يوم قالت زينب لجميلة:
— ممكن أطلب منك طلب؟
قالت جميلة:
— طبعًا يا حبيبتي، اتفضّلي.
قالت زينب:
— ممكن تسلفيني خمسمائة جنيه؟ وإن شاء الله، أول ما يكون معايا فلوس، هرجّعهالك.
فقالت جميلة:
— إنتِ أختي وصاحبتي، ولا يهمك.
وأعطتها المال.
ثم تكرر الأمر مرةً بعد مرة، وفي كل مرة كانت زينب تعدها بأنها ستعيد المال، لكن شيئًا لم يُرَدّ.
وظلّت جميلة تعطيها من طيبة قلبها، حتى جاء يوم ضاقت فيه الظروف بجميلة نفسها، فاحتاجت إلى جزء من المال الذي أعطته لزينب.
ذهبت إليها وقالت:
— يا زينب، ممكن ترجّعيلي جزءًا من الفلوس؟ أنا فعلًا في ضائقة، ومحتاجة أي مبلغ دلوقتي.
فقالت زينب:
— مش معايا.
قالت جميلة:
— أنا مقدّرة ظروفك يا زينب، لكني فعلًا محتاجة المبلغ دلوقتي، ولو تقدري ترجّعيلي حتى جزءًا منه أكون شاكرة ليكِ.
فقالت زينب بغضب:
— هو إنتِ يا جميلة هتذلّيني وتعيّريني ولا إيه؟
فقالت جميلة:
— لا والله، مش قصدي كده، أنا بس محتاجة.
قالت زينب:
— مش معايا.
ثم بدأت تذكّرها بما تعرفه عن حياتها، فقالت:
— وبعدين، مش عندكم شاليه في الساحل؟ وعندكم أرض، وفلوس في البنك…
وقعدت تعدّد ممتلكات أسرة جميلة، وكأنها أصبحت تعرف كل شيء عن حياتهم.
هنا صمتت جميلة.
وشعرت بألم شديد في قلبها، ليس بسبب المال فقط، ولكن لأنها أدركت أنها فتحت كتاب حياتها أمام إنسانة لم تعرف قيمة ما اؤتمنت عليه.
عادت جميلة إلى بيتها، ودخلت غرفتها، وجلست تفكر في نفسها، وقالت:
— أنا المخطئة… كيف حكيت لها كل أسراري؟ وكيف أعطيتها أموالي دون أن أوثّق الدَّين؟
ثم تذكرت قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾
[البقرة: 282]
فالدَّين، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، له حق، ومن تمام حكمة هذا الدين العظيم أن يحفظ حقوق الناس ويوثّقها.
وتعلّمت جميلة درسًا لن تنساه:
طيبة القلب لا تعني أن تُلغي عقلك، والثقة لا تعني أن تُسلّم أسرارك وحياتك للآخرين.
فليس كل من أحببناه يعرف كيف يحفظ ما اؤتمن عليه، وليس كل من اقترب منا يستحق أن يعرف تفاصيل حياتنا.
فلا تجعل صفحات حياتك بيد الآخرين، يقلبون فيها متى شاءوا، ويستخدمون ما عرفوه عنك سلاحًا في وقت الخصومة.
واحفظ سرّك، واحفظ لسانك، واحفظ مالك، وأوفِ بوعدك وعهدك، واحفظ حقوق الناس كما تحب أن يحفظ الناس حقوقك.
وقد قال النبي ﷺ:
«آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»
متفق عليه.
العِبْرَة
كُنْ طَيِّبًا مُحِبًّا، وَلَا تَكُنْ سَاذَجًا مُفَرِّطًا فِي الثِّقَةِ.
فبعض الناس يعرفون قيمتك ما دمت تمنحهم وتساعدهم، فإذا توقفت عن العطاء، تغيّروا وانصرفوا عنك، وربما أصبحوا ضدك.
فلا تجعل عطاياك ومساعدتك للآخرين مقياسًا للمحبة؛ لأن الشدائد تُظهر معادن الناس، وتكشف حقيقة المشاعر.
كُنْ طيّبًا، ولا تكن ساذجًا.
أحبب الخير، وساعد من يحتاج، ولكن لا تجعل طيبتك سببًا في استغلالك.
واجعل تصرفاتك بحكمة، وخطواتك بعقلٍ متزن؛ عقلٍ لا يميل مع العاطفة، ولا ينكسر أمام الضغوط، بل يقودك إلى الطريق الصحيح، ولا يتركك تسير نحو الهاوية.
وما أجمل أن تجمع بين طيبة القلب وحكمة العقل؛ فطيبة القلب نعمة، وحكمة العقل حماية، ومن جمع بينهما عاش كريم النفس وعزيز، بعيدًا عن الاستغلال والندم.







