مقالات

د. قياتي عاشور يكتب : قاع الهامور.. هروب جماعي إلى الأقبية الرقمية

الضجة المشتعلة حالياً على منصات التواصل الاجتماعي حول جروب “قاع الهامور” وما يتسرب منه من محتوى يصدم الكثيرين، هي في الحقيقة جرس إنذار يجب ألا نتعامل معه بمجرد الشجب أو الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية. فنحن هنا لسنا أمام مجرد “تريند” عابر أو شلة من الشباب قرروا الانفلات من القيم، بل نحن أمام ظاهرة مجتمعية تكشف بوضوح عن تشكل ما يمكن تسميته بـ “الأقبية الرقمية”. هذا الجيل الذي اختار اسماً مستوحى من عالم الكارتون ليعبر عن “القاع”، لم يفعل ذلك صدفة؛ بل هي رغبة لا شعورية في الغوص بعيداً جداً عن رادار الرقابة الأسرية والمجتمعية، وهرباً من ضغوط المثالية الزائفة المفروضة عليهم في المجال العام. لقد خلقوا لأنفسهم عالماً موازياً له شفراته الخاصة، وقوانينه، ومقاييسه المشوهة التي تختلف تماماً عن تلك التي نلقنها لهم في البيوت والمدارس.
الأمر الذي يثير القلق الحقيقي في هذه التجمعات ليس فقط قسوة المحتوى، بل الاعتماد الكلي على الكوميديا السوداء والعبثية المطلقة كأداة وحيدة للتواصل وإثبات الوجود. في هذا القاع الافتراضي، يتم تفكيك كل الثوابت والسخرية من كل شيء تحت غطاء الـ “ميمز” والهزار. هذا السلوك المتمرد ليس مجرد تهريج عشوائي، بل هو انعكاس لحالة عميقة من الاغتراب النفسي يعاني منها شباب يجدون أنفسهم محاصرين بضغوط الحياة اليومية ومطالب المثالية التي يفرضها المجتمع. ولأنهم لا يمتلكون مساحات حقيقية في الواقع للتعبير عن إحباطاتهم أو حتى طيشهم، يلجأون إلى هذه المجموعات المغلقة لتفريغ شحناتهم عبر كسر التابوهات، والتنمر، وتجاوز كل الخطوط الحمراء، معتقدين أن الشاشة تمنحهم حصانة كاملة ضد المحاسبة.
وهنا تتدخل “سيكولوجية الجماهير” لتزيد الطين بلة؛ فالشاب الذي قد تراه هادئاً ومهذباً داخل أسرته، يتحول بمجرد دخوله هذه المجموعات إلى شخصية أخرى تماماً. إنه يذوب في العقل الجمعي للقطيع، ويفقد هويته الفردية لصالح هوية الجروب. تحت مظلة هذه الحماية الوهمية، تتراجع بوصلة التمييز بين الصواب والخطأ، ويصبح التطاول أو الخوض في الخصوصيات سلوكاً اعتيادياً، بل وتذكرة عبور للحصول على اعتراف وإعجاب الأقران. إننا أمام حالة من العدوى النفسية التي تنتقل بسرعة البرق، وتحول الانحراف السلوكي من تصرف فردي يخجل منه صاحبه، إلى نشاط جماعي يحظى بالتصفيق والاحتفاء اللحظي في عالم افتراضي لا يعترف بالحدود.
هذه الصدمة التي زلزلت كيان الطبقة الوسطى المصرية تحديداً، تكشف لنا حجم الفجوة الجيلية المرعبة التي تتسع كل يوم بين الآباء والأبناء. لقد استنزفت متطلبات الحياة الآباء والأمهات في رحلة البحث عن “الستر” وتأمين المستقبل المادي والتعليمي لأولادهم، بينما تُركت عقول هؤلاء الأبناء فريسة لخوارزميات تصنع لهم عوالم مغلقة لا نعرف عن تفاصيلها شيئاً. إن مجرد إغلاق هذا الجروب أو غيره، رغم أهميته لوقف النزيف الأخلاقي المؤقت، يظل مجرد مسكن لا يعالج أصل الداء، فسرعان ما سيتم استنساخ قاع جديد بأسماء وشفرات أكثر تعقيداً. المواجهة الحقيقية تبدأ من استعادة أبنائنا من هذا العزل الرقمي إلى دفء الواقع، عبر فتح قنوات حوار حقيقية في المجال العام والخاص، والنزول إلى مستوى تفكيرهم دون تعالٍ أو أحكام مسبقة، لنغنيهم عن البحث عن بطولات وهمية وانتماءات مشوهة في مستنقعات الإنترنت.

زر الذهاب إلى الأعلى