الإمام الحافظ أحمد البيهقي
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الكثير عن الإمام المحدث المتقن أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخرساني، وقيل أنه اتخذ الإمام البيهقي مدينة بيهق منطلقا لرحلاته العلمية الواسعة في المدن المتاخمة لها أولا، وهذه الرحلات هي التي ساهمت في تكوينه العلمي، وأثرت حصيلته من المادة العلمية والفقهية، وعلى رأسها المرويات الحديثية، ولقد تبوأ الإمام البيهقي قبل وفاته بعشرين عاما مكانة علمية مرموقة، فكان يعتبر إمام المحدثين، ورأس الحفاظ في ذلك الوقت، وقد وصفه الإمام الجويني قائلا “ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منّة إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه” وقد وصفه الإمام عبد الغافر الفارسي في تاريخه.
“واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط” ويقول الفقيه محمد بن عبد العزيز المروزي، رأيت في المنام كأن تابوتا علا في السماء يعلوه نور، فقلت ما هذا ؟ قال هذه تصنيفات أحمد البيهقي، وقال الإمام السبكي ” فقد كان الإمام البيهقي رحمه الله عالما عاملا، ذا سعة وإحاطة بالعلوم الشرعية فإنه أنفق شطر عمره في جمعها وتحصيلها، وأنفق الشطر الآخر منه في تنظيمها وتصنيفها، فأخرج للناس هذه المصنفات الجليلة، والتي بلغت الخمسين مصنفا في فنون لم يسبق إليها” ولقد كان شيوخ البيهقي من الكثرة بمكان، ويرجع ذلك إلى تبكير الإمام البيهقي في طلب العلم، وقيامه بالتطواف على العلماء، وهو في الخامسة عشرة من عمره وقد تحدث السبكي عن شيوخ البيهقي.
فقال “أكثر من مائة شيخ” ولا شك أن تكوين الرجال لا يقل أهمية عن تأليف التصانيف، وتسويد الصحف، وتلاميذ البيهقي امتداد لعلمه ومنهجه، وأثر بارز من آثاره العلمية، والإمام البيهقي بما تبوأ من المكانة الجليلة في الحديث، والفقه، والأصول، والعقائد صار قبلة للطلاب، وهدفا لرحلاتهم، واهتماماتهم ليظفروا بالسماع منه، والتلقي عنه، فإن البيهقي رحمه الله كان محدث زمانه، وشيخ السنة في وقته، وأوحد زمانه في الحفظ والإتقان وقد عمّر البيهقي طويلا، مما مكن عددا كبيرا من طلاب العلم وأهله للاستفادة منه، وإن كتاب السنن الكبرى، هو من أعظم مؤلفات البيهقي، والذي احتل مكانة مرموقة بين المصنفات في الحديث الشريف، فقد أقبل العديد من العلماء الكبار على سماع هذا الكتاب.
وإسماعه لأهل العلم، وقد أثنى العلماء عليه، وقد جعله ابن الصلاح ، سادس الكتب الستة في القيمة والأهمية بعد البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وكتاب الترمذي، وقال الإمام السبكي مشيدا بسنن البيهقي، أما السنن الكبير فما صنف في علم الحديث مثله تهذيبا، وترتيبا، وجودة، وهو مصدر هام من مصادر رواية الحديث، وهو مطبوع في عشرة مجلدات، وليس لأحد مثله، وعليه تعليق لابن التركماني سماه ” الجوهر النقي ” وبعد حياة حافلة بالتطواف والطلب في جمع العلم وتحصيله، والهمة في بثه وتعليمه، والاعتكاف على تدوينه وتصنيفه، أصاب البيهقي المرض في رحلته الأخيرة إلى نيسابور، وحضرته المنية.
فتوفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ربعمائة وثماني وخمسين من الهجرة، وله من العمر أربع وسبعون سنة، فغسلوه وكفنوه، وعملوا له تابوتا، ثم نقلوه إلى مدينة بيهق.







