أخبار محلية

الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة.. حين يتحول العمل الأهلي إلى صناعة حقيقية للتنمية

الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة..

حين يتحول العمل الأهلي إلى صناعة حقيقية للتنمية

 

كتب : حسام النوام

الدكتورة هناء إسماعيل تقود تجربة مجتمعية تضع الإنسان في قلب التنمية وتربط بين الدعم الاجتماعي وتمكين الأسر والاستدامة وحماية البيئة

في الوقت الذي لم تعد فيه التنمية الحقيقية تقاس فقط بحجم المشروعات التي يتم تنفيذها، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الإنسان وفتح آفاق جديدة أمام الأسر والمجتمعات الأكثر احتياجًا، تبرز أهمية مؤسسات المجتمع المدني التي اختارت أن تجعل من العمل الأهلي رسالة تنموية مستدامة، وليس مجرد استجابة مؤقتة للاحتياجات.

ومن بين النماذج التي استطاعت أن تترك بصمة واضحة في هذا المجال، تأتي الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة برئاسة الدكتورة هناء إسماعيل، باعتبارها تجربة ممتدة في العمل المجتمعي، تجمع بين البعد الإنساني والبعد التنموي، وتتعامل مع احتياجات المواطنين من منظور أكثر شمولًا يقوم على فكرة أساسية: أن مساعدة الإنسان لا يجب أن تتوقف عند تقديم الدعم، وإنما ينبغي أن تمتد إلى تمكينه من بناء حياة أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة المستقبل.

وتؤكد مسيرة الجمعية، التي امتدت إلى عدد من محافظات الجمهورية، أن مفهوم التنمية لديها يتجاوز تقديم المساعدات المباشرة إلى العمل على ملفات أكثر ارتباطًا بجذور المشكلة، سواء من خلال دعم الأسر الأولى بالرعاية، أو المساهمة في تحسين الظروف المعيشية، أو تقديم الخدمات الصحية، أو دعم الأطفال والأيتام وذوي الهمم، أو المساهمة في تطوير القرى والمنازل، إلى جانب الاهتمام بالتدريب وفرص العمل والمشروعات الصغيرة.

من الدعم إلى التمكين

الفارق الحقيقي بين العمل الخيري التقليدي والعمل التنموي يظهر عندما يصبح المستفيد شريكًا في صناعة مستقبله.

وهذا ما عكسته تجربة الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة على مدار سنوات، حيث لم يقتصر نشاطها على تقديم المساعدات العينية للأسر الأكثر احتياجًا، وإنما امتد إلى مشروعات تستهدف تحسين قدرتها على مواجهة أعباء الحياة، ودعم المرأة، وتوفير فرص العمل، والمساهمة في تطوير المجتمعات المحلية.

وقد سبق أن أكدت الدكتورة هناء إسماعيل أن الجمعية تعمل على نشر مفهوم التنمية المستدامة، مع التركيز على تطوير القرى والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، إلى جانب مشروعات مرتبطة بالصحة والبنية الأساسية واستخدام الطاقة النظيفة في بعض المجالات.

وهنا تتضح فلسفة مختلفة للعمل الأهلي؛ فلسفة لا تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد متلقٍ للمساعدة، وإنما باعتباره طاقة بشرية يمكن الاستثمار فيها وتحويلها إلى عنصر منتج داخل المجتمع.

الصعيد في قلب الاهتمام

ولأن صعيد مصر ظل لعقود أحد أهم ميادين العمل التنموي، فقد احتل مساحة مهمة في نشاط الجمعية، خاصة في محافظة أسوان، حيث نفذت الجمعية وشاركت في عدد من المبادرات والخدمات التي استهدفت الأسر والقرى والمناطق الأكثر احتياجًا.

وفي مارس 2025، شهدت أسوان وصول قافلة غذائية مقدمة من الجمعية ضمت نحو 1300 كرتونة، في إطار دعم الأسر الأكثر احتياجًا، وسط إشادة من المسؤولين بالمحافظة بدور مؤسسات المجتمع المدني في مساندة الجهود التنفيذية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

كما شهدت سنوات سابقة تنفيذ قوافل غذائية وطبية، والمشاركة في إعادة إعمار وترميم المنازل التي تعرضت للأضرار، إلى جانب برامج للتوعية الصحية والثقافية، بما يعكس اتساع مفهوم التنمية لدى الجمعية وعدم اختزاله في مجال واحد.

الإنسان أولًا.. والصحة حق للجميع

من أبرز الملفات التي ارتبطت بنشاط الجمعية ملف الرعاية الصحية، خاصة للفئات التي تواجه صعوبة في تحمل تكاليف العلاج.

فقد شملت أنشطة الجمعية تقديم الأدوية، والمساهمة في إجراء التحاليل والأشعات والعمليات الجراحية للحالات غير القادرة، إلى جانب تنظيم القوافل الطبية في المناطق التي تحتاج إلى مثل هذه الخدمات.

كما امتد الاهتمام إلى الأطفال، والأيتام، وذوي الهمم، وهو ما يعكس إدراكًا بأن التنمية لا يمكن أن تكون حقيقية إذا تركت الفئات الأكثر احتياجًا خارج دائرة الاهتمام.

وفي هذا السياق، يصبح العمل الأهلي شريكًا حقيقيًا في تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال الوصول إلى المواطن في المكان الذي يعيش فيه، وفهم احتياجاته، ثم تقديم تدخلات تتناسب مع ظروفه الفعلية.

تمكين المرأة.. استثمار في الأسرة والمجتمع

ومن الملفات المهمة أيضًا في تجربة الجمعية دعم المرأة، ليس باعتبارها مستفيدة فقط، وإنما باعتبارها أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسرة.

فحين تحصل المرأة على فرصة للتدريب والعمل والإنتاج، فإن التأثير لا يتوقف عندها، بل يمتد إلى الأبناء والأسرة والمجتمع بأكمله.

ولهذا ارتبطت أنشطة الجمعية ببرامج تستهدف توفير فرص عمل للسيدات، وتنمية قدرات الأسر، ودعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بما يساعد على الانتقال من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.

التنمية والبيئة.. خطوة جديدة نحو المستقبل

ولعل التطور اللافت في تجربة الجمعية خلال الفترة الأخيرة هو اتساع اهتمامها بالملف البيئي باعتباره جزءًا أساسيًا من مفهوم التنمية المستدامة.

ففي أغسطس 2026، شاركت الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة في جلسة تشاورية مجتمعية حول مشروع متكامل لجمع ونقل وتداول المخلفات الخطرة وغير الخطرة، والتعامل معها من خلال منظومة تستهدف إعادة التدوير أو التخلص الآمن منها.

وشددت الدكتورة هناء إسماعيل خلال الجلسة على أن التعامل مع المخلفات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين، مؤكدة أهمية الشفافية والمشاركة المجتمعية في المشروعات المرتبطة بالبيئة.

وهنا تظهر نقلة مهمة في مفهوم العمل الأهلي؛ من تقديم الخدمة إلى المشاركة في صناعة الحلول.

فالتنمية المستدامة لا تعني فقط تحسين دخل المواطن، وإنما تعني أيضًا توفير بيئة صحية وآمنة، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتغيير السلوك المجتمعي، وبناء وعي جديد لدى الأجيال القادمة.

هناء إسماعيل.. قيادة تؤمن بأن التنمية تبدأ من الإنسان

خلف هذه التجربة تقف الدكتورة هناء إسماعيل، التي ارتبط اسمها لسنوات بالعمل المجتمعي والتنمية، واستطاعت أن تحول الجمعية إلى منصة تجمع بين العمل الإنساني والمشروعات التنموية.

وقد حصلت الدكتورة هناء إسماعيل في فبراير 2026 على تكريم ضمن LEADERS AWARD عن جهود الجمعية في دعم الأسر الأشد فقرًا وتنمية القرى، في إطار مشروعات شملت التعليم والصحة والتدريب والبنية التحتية والتنمية المستدامة.

كما سبق تكريمها بجائزة مرتبطة بالإبداع والابتكار في العمل التنموي، تقديرًا لدورها في دعم المجتمع والفئات الأكثر احتياجًا.

لكن قيمة أي تكريم لا تكمن في الدرع أو الجائزة بقدر ما تكمن في حجم الأثر الذي يتركه العمل على الأرض.

وهنا يمكن قراءة تجربة الجمعية باعتبارها نموذجًا يؤكد أن المجتمع المدني عندما يمتلك رؤية واضحة وإدارة واعية يستطيع أن يكون شريكًا فاعلًا في تحقيق أهداف التنمية، وأن يسهم في الوصول إلى الفئات التي تحتاج إلى الدعم، وفي الوقت نفسه يشارك في بناء حلول طويلة الأجل.

شراكة لا غنى عنها لبناء الجمهورية الجديدة

إن الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة أولت اهتمامًا متزايدًا بدور المجتمع المدني باعتباره شريكًا أساسيًا في جهود التنمية، وهو ما يجعل النماذج الجادة داخل القطاع الأهلي أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فالمعادلة الجديدة لا تقوم على أن تعمل الدولة وحدها، أو أن يتحمل المجتمع المدني وحده مسؤولية مواجهة التحديات، وإنما تقوم على تكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطن.

وفي هذه المعادلة، تستطيع الجمعيات التي تمتلك خبرة حقيقية وقواعد بيانات وقدرة على الوصول إلى المواطنين أن تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تحديد الاحتياجات، وتنفيذ المبادرات، وقياس أثرها، وتحويل الدعم إلى نتائج ملموسة.

ومن هنا تأتي أهمية تجربة الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة، التي تقدم نموذجًا للعمل الأهلي يحاول الجمع بين الرحمة والمسؤولية، والمساعدة والتنمية، والاحتياج والإنتاج، والإنسان والبيئة.

المستقبل يحتاج إلى تنمية أكثر تكاملًا

التحديات التي تواجه المجتمعات المصرية اليوم لم تعد منفصلة؛ فالفقر يرتبط بالتعليم، والتعليم يرتبط بفرص العمل، وفرص العمل ترتبط بالتدريب، والصحة ترتبط بمستوى المعيشة، والبيئة ترتبط بالصحة، وكل هذه الملفات تصب في النهاية عند نقطة واحدة هي جودة حياة المواطن.

وهذا هو جوهر مفهوم التنمية المتكاملة.

لذلك فإن استمرار دعم المؤسسات الأهلية الجادة، وتشجيع الشراكات بينها وبين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتوفير آليات تمويل مستدامة للمشروعات التنموية، يمثل ضرورة حقيقية لضمان استمرارية الأثر وعدم اقتصار المبادرات على حلول مؤقتة.

وتظل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من تجربة الجمعية المصرية للتنمية المتكاملة هي أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من المال فقط، وإنما تبدأ من الإنسان، ولا تنجح بالمساعدات وحدها، وإنما بالتمكين، ولا تستمر بالمبادرات المؤقتة، وإنما بالرؤية والعمل المؤسسي.

وبقيادة الدكتورة هناء إسماعيل، تواصل الجمعية حضورها في واحد من أكثر ميادين العمل الوطني أهمية؛ ميدان الإنسان المصري، لتؤكد أن العمل الأهلي عندما يتحول إلى رؤية ومؤسسة وشراكة، يمكن أن يصبح أحد المحركات الحقيقية للتنمية وبناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى