أحلام في أرض الأوهام
بقلم: وليد درويش
نولد جميعا وفي داخلنا شيء يشبه الحلم، شيء لا نعرف كيف جاء، ولا متى بدأ، لكنه يكبر معنا كلما كبرنا. نحلم ببيت دافئ، وقلوب صادقة، وطريق لا يخون خطواتنا، وبأشخاص يشبهون ما تخيلناه عن الأمان.
نحلم لأن الحلم هو المساحة الوحيدة التي لا يستطيع الواقع أن يضع عليها قيوده.
لكننا نكبر…
فنكتشف أن الحياة ليست دائما كما رسمناها في طفولتنا، وأن بعض الطرق التي ظننا أنها تقودنا إلى الأمان كانت تقودنا إلى الخيبة، وأن بعض الوجوه التي وثقنا بها لم تكن سوى أقنعة جميلة تخفي خلفها الكثير من الزيف.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية…
أحلام في أرض الأوهام.
أحيانا لا يكون الوهم في الحلم نفسه، بل في الأشخاص الذين أقنعونا أنهم قادرون على تحقيقه.
يقولون لنا: سنبقى.
فنصدقهم.
يقولون: لن نتخلى عنك.
فنمنحهم قلوبنا.
يقولون: غدا سيكون أجمل.
فننتظر الغد بكل ما تبقى فينا من أمل.
ثم يأتي الغد…
ولا يأتي أحد.
عندها لا يؤلمنا فقدان الأشخاص بقدر ما يؤلمنا اكتشاف أننا كنا نعيش داخل وهم صنعناه بأيدينا، ثم منحناه اسما جميلا وأطلقنا عليه اسم “الأمل”.
ومع ذلك، ليس كل حلم وهما.
هناك أحلام ولدت من صدق الإنسان مع نفسه، لكنها تأخرت فقط.
وهناك أمنيات لم تتحقق لأن توقيتها لم يأت بعد، وليس لأنها مستحيلة.
وهناك أبواب أغلقت في وجوهنا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها كانت تحمينا من طريق لم يكن لنا.
المشكلة أننا كثيرا ما نحاكم أحلامنا من خلال خيباتنا.
فإذا خذلنا شخص، شككنا في الحب.
وإذا فشل طريق، شككنا في النجاح.
وإذا انكسرت أمنية، أقنعنا أنفسنا أن الأحلام كلها أوهام.
لكن الحقيقة مختلفة…
ليس كل ما لم يتحقق كان وهما، وليس كل ما تحقق كان حقيقة.
كم من شيء تمنيناه وبكينا لأننا لم نحصل عليه، ثم شكرنا الحياة بعد سنوات لأنها منعته عنا.
وكم من شيء سعينا إليه بكل قوتنا، وعندما وصلنا إليه اكتشفنا أنه لم يكن يستحق كل ذلك الركض.
الحياة لا تمنحنا دائما ما نريد، لكنها أحيانا تمنحنا ما نحتاج إليه.
وقد يكون أعظم نضج يصل إليه الإنسان هو أن يتعلم الفرق بين الاثنين.
أن يحلم، ولكن لا يفقد نفسه في الحلم.
أن يحب، ولكن لا يمنح أحدا مفاتيح روحه كاملة.
أن يثق، ولكن لا يلغي عقله.
أن ينتظر، ولكن لا يوقف حياته من أجل وعد.
فالأحلام جميلة عندما تكون جسرا نعبر به إلى المستقبل، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى قيد يمنعنا من رؤية الحاضر.
وفي أرض الأوهام، لا يسقط الإنسان عندما يخسر حلمه…
بل يسقط عندما يكتشف الحقيقة ويرفض أن يراها.
لذلك لا تخجل من حلمك، ولا تقتل بداخلك ذلك الجزء الذي ما زال يؤمن بأن القادم أجمل.
فحتى بعد كل الخيبات، يبقى في القلب مكان صغير لا تستطيع الحياة الوصول إليه.
مكان يحتفظ بصورة الإنسان الذي كنا نريد أن نصبحه، وبالأشياء التي ما زلنا نؤمن أنها تستحق الانتظار.
قد تتغير الطرق…
وقد تتبدل الوجوه…
وقد تسقط وعود كثيرة…
لكن لا تسمح للأوهام التي خدعتك يوما أن تسرق منك أحلامك الحقيقية.
فالأرض التي مشينا عليها بالأمس ربما كانت مليئة بالأوهام، لكن هذا لا يعني أن الطريق كله كان وهما.
ربما كان علينا أن نضل قليلا حتى نتعلم كيف نميز الطريق الصحيح.
وربما كان علينا أن ننكسر حتى نعرف قيمة ما يستحق أن نحافظ عليه.
وربما كان علينا أن نفقد بعض الأشياء حتى نكتشف أنفسنا.
وفي النهاية…
لا تقتل حلمك لأنك عشت طويلا في أرض الأوهام.
فقد يكون حلمك هو الشيء الوحيد الذي كان صادقا منذ البداية.
وقد تكون كل الخيبات التي مررت بها لم تأت لتخبرك أن أحلامك مستحيلة…
بل جاءت لتعلمك كيف تصل إليها دون أن تفقد نفسك في الطريق.
فاحلم… ولكن بعين مفتوحة.
وثق… ولكن بقلب يعرف حدوده.
وأحب… ولكن لا تجعل حبك وهما تعيش من أجله وتموت من أجله.
لأن الحياة لا تخلو من الأوهام…
لكن الإنسان الذي يعرف حقيقة نفسه، يستطيع أن يبني من وسطها واقعا جميلا.
وربما يكون أجمل انتصار لنا…
أن نخرج من أرض الأوهام، ونحن ما زلنا نحمل أحلامنا.









