حين أصبحت شجر الدر سلطانة
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين أصبحت شجر الدر سلطانة
حين جلست امرأة على عرش مصر
هناك لحظات في التاريخ لا تبدأ بقرع طبول الحرب.
تبدأ بصمت.
يموت سلطان في خيمته…
فيُخفى خبر موته.
وتبقى الأوامر تصدر باسمه.
ويجلس رجل على العرش،بينما تكون القوة الحقيقية موزعة بين رجال يقفون خلفه.
وفي أحيان أخرى لا تسقط دولة عندما يدخلها عدو من الخارج، وإنما تبدأ بالسقوط عندما تصبح القوة التي صنعتها لحمايتها أقوى من صاحبها.
وهذا بالضبط ما كانت مصر مقبلة عليه في منتصف القرن الثالث عشر.
كانت الحملة الصليبية السابعة قد جاءت إلى مصر، وكان لويس التاسع، ملك فرنسا، يريد أن يجعل من مصر الطريق إلى القدس.
لكن مصر لم تكن وحدها التي كانت تقف في وجه الصليبيين.
ففي داخل الجيش المصري كانت قوة أخرى تتشكل.
مماليك اشتراهم الأيوبيون لحماية الدولة،ثم أصبح هؤلاء المماليك أنفسهم أصحاب الكلمة في مستقبلها.
ومن بين هؤلاء الرجال كانت أسماء ستغير تاريخ مصر:
عز الدين أيبك.
فارس الدين أقطاي.
ركن الدين بيبرس.
سيف الدين قطز.
ولم تكن شجر الدر بعيدة عنهم.
بل كانت المرأة التي ستجد نفسها في قلب هذا التحول كله.
امرأة أخفت موت السلطان،وأنقذت الدولة في لحظة حرجة،ثم جلست على العرش،ثم خرجت من العرش،
ثم عادت إلى السلطة من خلف سلطان آخر،ثم انتهت حياتها بالقتل.
لكن قصتها ليست قصة امرأة فقط.
إنها قصة اللحظة التي تحولت فيها القوة المملوكية من سيف في يد الدولة إلى الدولة نفسها.
مات السلطان ولم يعرف أحد
في أواخر عام 1249م، كانت مصر تعيش واحدة من أخطر لحظاتها.
الصليبيون دخلوا دمياط.
ولويس التاسع يقود الحملة بنفسه.
والسلطان الصالح نجم الدين أيوب مريض.
وكان السلطان قد انتقل إلى المنصورة لمواجهة الخطر، لكن المرض اشتد عليه.
ثم مات.
وكان إعلان موته في تلك اللحظة يمكن أن يكون أخطر من هجوم الصليبيين.
فالجيش في مواجهة عدو على أرض مصر.
والسلطة المركزية أصبحت بلا سلطان.
والأمراء يمكن أن يبدأ بينهم الصراع.
والصليبيون يمكن أن يستغلوا الفوضى.
لكن خبر الوفاة لم يخرج.
كانت شجر الدر في قلب المشهد.
فأخفت موت الصالح، واستمرت المكاتبات والأوامر بما يوحي باستمرار السلطان في إدارة الدولة.
ولم تكن وحدها في هذا التدبير.
فعدد من كبار المماليك الصالحية كانوا جزءًا من الجهاز الذي حافظ على تماسك الدولة والجيش حتى وصول وريث السلطان.
ومن بين هؤلاء كان فارس الدين أقطاي.
وهنا يجب أن نتوقف عند هذا الرجل.
لأن أقطاي لم يكن مجرد اسم بين أسماء المماليك.
كان واحدًا من كبار المماليك البحرية، وسيصبح بعد قليل قائدهم الأبرز.
أقطاي الرجل الذي حمل راية المماليك البحرية
كان فارس الدين أقطاي من المماليك الذين ارتبطوا بالسلطان الصالح نجم الدين أيوب.
وكان من كبار المماليك البحرية الذين أقامهم الصالح في قلعة الروضة، وجعل منهم قوة عسكرية يعتمد عليها في حماية سلطانه.
وكان إلى جانب أقطاي رجال أصبحوا لاحقًا من أشهر شخصيات الدولة المملوكية:
أيبك.
بيبرس.
بلبان الرشيدي.
سنقر الرومي.
وغيرهم.
هؤلاء لم يكونوا جيشًا عاديًا.
كان بينهم رابط قوي تشكل داخل المؤسسة المملوكية نفسها، وكان أقطاي أحد أبرز رجالها.
وعندما مات الصالح، كانت شجر الدر بحاجة إلى رجل يصل إلى ابنه توران شاه ويستدعيه إلى مصر.
فأرسلت أقطاي إلى حصن كيفا لاستدعاء توران شاه.
وهكذا كان أقطاي حاضرًا منذ اللحظة الأولى في الانتقال الذي سيقود إلى سقوط آخر سلطان أيوبي فعلي في مصر.
لكن أقطاي لم يكن يعرف أن الرجل الذي سيأتي به إلى مصر،سيكون سببًا في المعركة التي ستفتح الباب أمام عصر جديد.
المنصورة حيث ظهر الرجال
كان لويس التاسع يريد القاهرة.
لكن الطريق إليها كان يمر من المنصورة.
وفي فبراير 1250م وقعت المعركة الكبرى.
وفي خضم القتال برز المماليك البحرية.
وكان أقطاي أحد كبار قادتهم.
وبعد مقتل الأمير فخر الدين يوسف، قائد الجيش المصري، برز دور أقطاي بصورة أكبر، وتولى قيادة القوة العسكرية في مرحلة حاسمة من القتال، إلى جانب بيبرس وغيرهما من المماليك.
لم تكن المنصورة مجرد معركة ضد الصليبيين.
كانت أيضًا اللحظة التي اكتشف فيها المماليك أنهم أصبحوا القوة التي لا تستطيع الدولة الاستغناء عنها.
فهم الذين قاتلوا.
وهم الذين حافظوا على الجيش.
وهم الذين امتلكوا القوة المنظمة.
وكان لويس التاسع نفسه سينتهي أسيرًا في أيديهم.
وهنا بدأت المشكلة.
فالرجل الذي يملك الجيش يستطيع في لحظة ما أن يسأل:
ومن يملك الدولة؟
الملك الذي أصبح أسيرًا
تحولت الحملة الصليبية السابعة إلى كارثة.
لويس التاسع، الذي جاء إلى مصر ملكًا منتصرًا، أصبح أسيرًا.
وانكسرت الحملة.
لكن النصر لم ينهِ الأزمة.
لأن السلطان الصالح كان قد مات.
وابنه توران شاه وصل إلى مصر.
وكان المماليك ينتظرون منه شيئًا واحدًا ،أن يحافظ على مكانتهم.
لكن توران شاه أراد أن يبدأ عهده بقوة.
وأراد أن يعيد ترتيب مراكز النفوذ.
وهنا اصطدم بالقوة التي كانت قد صنعت النصر في المنصورة.
المماليك.
وخاصة كبار المماليك البحرية.
وفي مقدمتهم أقطاي.
توران شاه والرجل الذي لم يقبل أن يكون تابعًا
كان توران شاه يريد أن يكون سلطانًا حقيقيًا.
لكن المماليك لم يريدوا أن يتحولوا من أصحاب القوة إلى مجرد جنود.
وتفاقمت الأزمة.
ثم جاء الصدام.
وقُتل توران شاه سنة 1250م.
وبموته سقط آخر سلطان أيوبي حكم مصر فعليًا من داخل البيت الأيوبي.
لكن السؤال الذي ظهر في اللحظة التالية كان أخطر:
من يحكم؟
هنا لم يعد المماليك مجرد حماة للعرش.
لقد أصبحوا هم الذين يقررون من يجلس عليه.
شجر الدر من خلف الستار إلى فوق العرش
كانت شجر الدر هي الحل الأول.
المرأة التي حفظت الدولة أثناء مرض الصالح.
والتي أخفت خبر موته.
والتي أدارت الأمور في أخطر لحظات الحملة.
جلست على العرش.
وضُربت السكة باسمها، وخُطب لها.
وأصبحت صاحبة السلطة الفعلية.
وكان حكمها الرسمي قصيرًا، نحو ثلاثة أشهر.
لكن تلك الأشهر كانت كافية لتقول شيئًا لم يكن أحد يتوقعه:
الحكم الأيوبي في مصر لم يعد كما كان.
والمماليك لم يعودوا مجرد رجال داخل القصر.
لكن شجر الدر اصطدمت بعقبة أكبر من القوة العسكرية:
الشرعية.
بغداد ترفض ومصر تبحث عن رجل
كان الخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد.
ولم يكن مستعدًا للاعتراف بسهولة باستمرار امرأة في منصب السلطان.
وهكذا وجدت شجر الدر نفسها أمام معادلة صعبة:
تملك السلطةلكنها تحتاج إلى غطاء سياسي.
فكان الحل:
رجل على العرش.
وامرأة خلف العرش.
وكان الرجل هو:
عز الدين أيبك.
أيبك الرجل الذي اختارته شجر الدر
كان أيبك واحدًا من كبار مماليك الصالح.
وكان قد ارتفع داخل المؤسسة المملوكية حتى أصبح من رجالها البارزين.
وبعد تراجع شجر الدر عن السلطنة، تزوجته وأصبح سلطانًا.
وتولى أيبك موقعًا كان في الأصل شديد الأهمية داخل بنية السلطة المملوكية.
لكن أيبك لم يكن الرجل الضعيف الذي يمكن أن يبقى مجرد واجهة.
فهو كان يعرف أن وراءه قوة مملوكية ضخمة.
وكان يعرف أن هناك رجلًا آخر يملك قوة لا تقل خطورة:
فارس الدين أقطاي.
أقطاي السلطان الذي لم يجلس على العرش
إذا كان أيبك قد أصبح سلطان مصر،
فإن أقطاي كان الرجل الأقوى بين المماليك البحرية.
لقد اختير مقدمًا على العسكر، ورأس المماليك البحرية، وأصبح صاحب نفوذ كبير في الجيش.
وكان حوله رجال مثل:
بيبرس.
وقادة آخرون من البحرية.
وهنا بدأ الصراع الحقيقي.
لم يعد الأمر:
أيوبيون ضد مماليك.
بل أصبح:
مماليك ضد مماليك.
أيبك ومن معه وأقطاي ومن معه.
والفارق بين الطرفين أن أقطاي كان يملك ولاء المماليك البحرية، بينما كان أيبك يحاول بناء قوة خاصة به.
وهنا بدأت مصر تشهد أول صراع كبير داخل الدولة المملوكية الوليدة.
لماذا خافت شجر الدر من أقطاي؟
لم يكن أقطاي مجرد قائد عسكري.
كان يملك شيئًا أخطر:
الرجال.
كان حوله المماليك البحرية.
وكان بيبرس من أقرب رجاله.
وكان نفوذه قد أصبح كبيرًا إلى درجة جعلته منافسًا حقيقيًا لأي سلطة في القاهرة.
ولهذا لم يكن اختيار أيبك وحده نهاية الصراع.
بل كان بداية الصراع الحقيقي.
وفي مرحلة من المراحل، كان أقطاي نفسه يطمح إلى أن يكون صاحب القرار الأول، بل تشير الروايات إلى أنه رأى نفسه أهلًا للسلطنة في حال خلو العرش.
وهنا أصبح وجوده تحديًا مباشرًا لأيبك.
بيبرس رجل أقطاي
وهنا يظهر اسم آخر يجب ألا نغفله.
بيبرس.
الرجل الذي سيصبح لاحقًا سلطان مصر.
في تلك المرحلة لم يكن سلطانًا.
كان من كبار المماليك البحرية ورجلًا مرتبطًا بأقطاي.
وهذا مهم جدًا لفهم ما سيأتي.
فبيبرس لم يدخل التاريخ فجأة في عين جالوت.
بل كان يتدرج منذ المنصورة داخل المؤسسة العسكرية التي كان أقطاي أحد أبرز قادتها.
ولهذا فإن الصراع بين أيبك وأقطاي لم يكن صراع رجلين فقط.
كان وراء أقطاي رجال.
ومن أبرزهم:
بيبرس.
أيبك يبدأ ببناء قوته
كان أيبك يعرف أن ترك أقطاي بهذه القوة يعني أن السلطان قد يصبح سلطانًا بالاسم فقط.
فبدأ يبني لنفسه قوة خاصة.
واستند إلى مماليكه وأتباعه.
ومن أبرز من ارتفع شأنهم في معسكر أيبك:
سيف الدين قطز.
وهنا بدأ خطان يتشكلان داخل البيت المملوكي.
المماليك البحرية بقيادة أقطاي.
والمماليك المعزية حول أيبك.
وفي قلب المعسكر الثاني كان قطز يصعد.
وهكذا لم يكن ظهور قطز بعد سنوات أمرًا مفاجئًا.
لقد كان أحد الرجال الذين بنوا نفوذ أيبك في مواجهة أقطاي.
أقطاي يقترب من القمة
كلما ازداد نفوذ أقطاي ازداد خوف أيبك.
وأصبحت القضية أكبر من منافسة شخصية.
أقطاي كان يملك المماليك البحرية.
وبيبرس يقف إلى جانبه.
والقادة يلتفون حوله.
بل إن نفوذه امتد إلى خارج مصر.
وكان أيبك يرى أن استمرار هذه القوة سيجعل السلطنة نفسها رهينة لمنافسه.
وهنا بدأت المؤامرة.
قلعة الجبل نهاية أقطاي
في سنة 1254م تحرك أيبك ضد أقطاي.
واستدرجه إلى القلعة.
وتذكر روايات أن أقطاي دخل إلى المكان مطمئنًا، ثم أُغلق عليه الطريق، وانقض عليه رجال أيبك.
وكان قطز من الرجال الذين ارتبط اسمهم بتنفيذ عملية قتله وفق بعض الروايات التاريخية.
وقُتل أقطاي.
ثم أُلقي برأسه إلى أتباعه.
وكانت الرسالة واضحة:
انتهى عصر أقطاي.
لكن أيبك ارتكب بذلك خطأً ستكون له آثاره.
لأنه لم يقتل رجلًا واحدًا فقط.
بل ضرب رأس المماليك البحرية.
فهرب كثير منهم.
وكان من بينهم بيبرس.
خرج بيبرس وعدد من المماليك البحرية إلى الشام، والتحقوا هناك بأمراء أيوبيين.
وبهذا لم ينتهِ الصراع.
بل انتقل من القاهرة إلى الشام.
ومن هنا نفهم لماذا كان مقتل أقطاي واحدًا من أهم الأحداث التي سبقت صعود بيبرس وقطز.
من أقطاي إلى قطز
هنا تغير ميزان القوى.
أقطاي مات.
وبيبرس غادر مصر.
والمماليك البحرية تفرقوا.
أما قطز فبقي.
وكان بقاؤه مع أيبك يعني أن نفوذه سيزداد.
ومنذ تلك اللحظة أصبح قطز واحدًا من أهم رجال المعسكر المعزي.
ثم أصبح نائب السلطنة في عهد أيبك سنة 1253م تقريبًا.
وهنا أصبح لدينا رجلان من المماليك سيصنعان مستقبل مصر:
بيبرس في الخارج،وقطز في الداخل.
وكلاهما كان قد خرج من المؤسسة نفسها.
وكلاهما كان يعرف أقطاي.
لكن التاريخ سيضعهما في النهاية في مواجهة عاصفة واحدة:
المغول.
مصر والشام صراع لا يتوقف
لم يكن قتل أقطاي نهاية مشاكل أيبك.
ففي الشام كان الناصر يوسف، حاكم حلب ثم دمشق، يحاول استعادة مصر.
وتحركت القوات الأيوبية.
وفي سنة 1250م هُزمت قوات الناصر يوسف أمام القوات المصرية التي قادها أقطاي.
ثم في أوائل 1251م وقع صدام آخر، وكانت مقدمة جيش أيبك بقيادة قطز، وانتهى القتال لمصلحة المصريين.
وهكذا كان قطز يكتسب خبرته العسكرية والسياسية قبل سنوات من جلوسه على العرش.
لم يكن رجلًا ظهر من العدم عندما جاء المغول.
كان رجل دولة يتشكل داخل أزمات الدولة.
أيبك وشجر الدر، السلطة تأكل أصحابها
بعد مقتل أقطاي أصبح أيبك أقوى.
لكن شجر الدر لم تكن قد خرجت من المشهد.
كانت لا تزال صاحبة نفوذ.
وكانت الخزانة والسياسة والقرارات تحمل آثار وجودها.
وبمرور الوقت بدأ أيبك يسعى إلى توسيع استقلاله.
أما شجر الدر فلم تكن مستعدة لأن تتحول إلى امرأة خلف السلطان بلا نفوذ.
ثم جاء مشروع الزواج من ابنة بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل.
كان الأمر يحمل بعدًا سياسيًا وتحالفيًا.
لكن شجر الدر رأت فيه تهديدًا لمكانتها.
وهكذا دخل الزواج نفسه في معركة السلطة.
ومن هنا بدأ الطريق إلى النهاية.
السلطان يقتل السلطان
في سنة 1257م قُتل أيبك.
وتنسب الرواية الأشهر إلى شجر الدر تدبير قتله.
وتختلف المصادر في بعض التفاصيل الدقيقة، لكن جوهر الرواية أن أيبك قُتل داخل القلعة على يد رجال شاركوا في تنفيذ مؤامرة دبرتها شجر الدر.
وكانت تريد التخلص من الرجل الذي أصبح خصمًا لها.
لكنها لم تدرك أن قتل السلطان يعني أنها ستصبح هي الهدف التالي.
وهنا خرج قطز من الظل
بعد مقتل أيبك لم يكن قطز رجلًا عابرًا.
كان نائب السلطنة.
وكان من أبرز رجال المعسكر المعزي.
وكان المنصور علي، ابن أيبك، لا يزال صغير السن.
فجلس المنصور علي على العرش.
لكن الرجل الذي امتلك القدرة الحقيقية على إدارة الدولة كان قطز.
وتذكر الروايات أنه كان من الذين قادوا المعسكر الذي تحرك ضد شجر الدر وأوقفها، ثم ثبت المنصور علي في السلطنة.
وهكذا أصبحت مصر أمام صورة جديدة:
سلطان صغير على العرش ،
ورجل قوي يدير الدولة من خلفه.
وقطز نفسه كان يقترب من اللحظة التي سيصبح فيها صاحب العرش.
هل انتحرت شجر الدر؟
هنا يجب أن نتوقف.
لأن قصة شجر الدر تعرضت مع مرور الزمن لكثير من الحكايات.
لكن الرواية التاريخية الأشهر لا تقول إنها انتحرت.
بل تقول إنها قُتلت.
بعد مقتل أيبك أصبحت شجر الدر أسيرة خصومها.
وتذكر الروايات أن أم علي، زوجة أيبك وأم ابنه المنصور علي، ارتبط اسمها بالانتقام منها.
وتروي الرواية الأشهر أن جواري أم علي ضربن شجر الدر حتى ماتت.
أما تفاصيل التنفيذ الدقيقة، ومن أعطى الأمر المباشر، وكيف تمت العملية، فقد اختلفت فيها الروايات.
ولهذا ينبغي أن نفرق بين أصل الحدث وبين التفاصيل التي أضافتها الروايات الشعبية والمتأخرة.
لكن النتيجة واضحة:
شجر الدر لم تنه حياتها بنفسها في الرواية التاريخية الأشهر.
لقد قُتلت.
أم علي والانتقام
كانت أم علي أمام مشهد بالغ الحساسية.
زوجها قُتل.
وابنها أصبح سلطانًا.
والمرأة التي ارتبط اسمها بمقتل زوجها لا تزال على قيد الحياة.
وهكذا دخل الانتقام في صراع السلطة.
وانتهت شجر الدر.
المرأة التي أخفت موت السلطان الصالح والتي أنقذت الدولة في واحدة من أخطر لحظاتها والتي جلست على عرش مصر،انتهت قتيلة.
أما القصة الشعبية التي ربطت بين مقتل شجر الدر وظهور حلوى أم علي، فهي حكاية شهيرة، لكنها ليست في قوة الروايات التاريخية الأساسية، ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها حقيقة تاريخية مؤكدة.
لكن شجر الدر لم تكن نهاية القصة
كانت نهاية شجر الدر بداية مرحلة أخرى.
لأن السؤال لم يعد:
من يحكم مصر؟
بل:
أي فريق من المماليك سيحكمها؟
المماليك البحرية الذين خرجوا مع بيبرس،أم المماليك المعزية الذين وقف قطز في مقدمتهم؟
وفي الخلفية:
الأيوبيون في الشام.
والخلافة في بغداد.
والصليبيون في الساحل.
والمغول يقتربون.
هنا بدأ التاريخ يضيق المسافة بين القاهرة وبغداد ودمشق.
وكل الطرق كانت تؤدي إلى صدام قادم.
من أقطاي إلى بيبرس ومن أيبك إلى قطز
إذا أردنا أن نفهم الدولة المملوكية، فلا يكفي أن نقول:
جاء أيبك،
ثم جاء قطز،
ثم جاء بيبرس.
القصة أعمق من ذلك.
كان أقطاي أحد كبار المماليك البحرية.
وكان بيبرس من رجاله.
وكان أيبك منافسه.
وكان قطز من أقوى رجال أيبك.
وعندما قتل أيبك أقطاي،هرب بيبرس إلى الشام.
وبقي قطز في مصر.
ثم قُتل أيبك.
وصعد قطز أكثر.
وهكذا انقسمت الطريقان:
بيبرس في الخارج ينتظر الفرصة.
وقطز في الداخل يصعد نحو السلطة.
والغريب أن الرجلين اللذين سيقفان بعد سنوات في جيش واحد أمام المغول،كانا قد وصلا إلى تلك اللحظة من طريقين مختلفين.
ومن وراء الستار…
لم يكن سقوط الأيوبيين في مصر حادثة مفاجئة.
لقد كان تحولًا طويلًا.
الأيوبيون صنعوا المماليك لحماية الدولة.
ثم أصبح المماليك أصحاب الجيوش.
ثم أصبح أصحاب الجيوش أصحاب القرار.
ثم بدأوا يقتلون بعضهم بعضًا على السلطة.
قُتل أقطاي.
فخرج بيبرس إلى الشام.
وقُتل أيبك.
فصعد قطز.
وقُتلت شجر الدر.
فجلس طفل على العرش، بينما كان الرجال الأقوياء يتصارعون خلفه.
وهكذا كان العرش موجودًا…
لكن الدولة كانت تبحث عن رجل يستطيع أن يحميها.
وفي هذه الأثناء كانت هناك قوة لا تهتم بمن يجلس على عرش مصر.
المغول.
كان هولاكو يتحرك غربًا.
وبغداد تقترب من مصيرها.
والخلافة العباسية نفسها أصبحت أمام أخطر لحظة في تاريخها.
وكان العالم الإسلامي كله يتغير.
أما مصر فكانت تملك رجالًا خرجوا من قلب الأزمات.
أقطاي رحل.
وبيبرس في الشام.
وقطز في مصر.
لكن الأيام كانت تخبئ لهم جميعًا امتحانًا أكبر من كل ما عرفوه.
فلم يعد السؤال:
من سيحكم مصر؟
بل:
من سيقف عندما تسقط بغداد؟
ومن سيحمل السيف عندما تصل جيوش المغول إلى أبواب الشام؟
وهنا سنرى المماليك يخرجون من الظل كاملين.
وسنرى قطز، الذي كان يومًا أحد رجال أيبك، يصعد إلى العرش.
وسنرى بيبرس، تلميذ أقطاي الهارب، يعود من المنفى.
وعندما يلتقي الرجلان،لن يكون اللقاء من أجل عرش فقط.
بل من أجل معركة ستغير وجه التاريخ.
معركة:
عين جالوت.
لكن قبل أن نصل إليها علينا أن نعود خطوة إلى الوراء.
إلى الرجل الذي جاء من الشرق،
وإلى العاصفة التي لم تكن مصر تعرف بعد أنها قادمة إليها.
فقد بدأت جيوش المغول تتحرك
وبغداد كانت على موعد مع النهاية.








