ربما أكون الكاتب… لكنك دائمًا ستكون الكلمات
حين يصبح الحبر أعترافًا، وتصبح الكلمات وطنًا
هنا نابل. بقلم / المعز غَنِـي
ربما أكون أنا الكاتب الذي يمسك القلم، ويجلس أمام صفحة بيضاء، ويحاول أن يسرق من صمت الحياة جملةً تليق بما يشعر به…
ربما أكون أنا من يضع النقطة في نهاية السطر، ويختار العنوان، ويرتب الحروف، ويبحث طويلًا عن العبارة التي تستطيع أن تصل إلى قلبٍ لا يعرفه، أو أن تلامس وجعًا لم يُحكَ بعد.
لكن الحقيقة التي لا أستطيع الهروب منها هي أنني، مهما كتبت، لست سوى عابرٍ في مملكة الكلمات.
فالكاتب قد يكتب الكلمات، لكنه لا يملكها.
والكاتب قد يروي الحكاية، لكنه لا يملك نهايتها.
والكاتب قد يضع الحبر على الورق، لكنه لا يستطيع أن يقرر أين ستستقر الجملة داخل روح قارئها.
ربما أكون الكاتب… لكنك دائمًا ستكون الكلمات.
أنتَ المعنى الذي أبحث عنه حين أكتب.
أنتَ ذلك الشعور الذي أعجز أحيانًا عن تسميته، فأستعين بالحروف لأمنحه وجهًا وصوتًا.
أنتَ الضحكة المختبئة بين السطور، والدمعة التي تسقط بصمت، والحنين الذي لا يجد طريقًا إلا عبر جملة.
أنتَ كل أولئك الذين مرّوا من حياتي وتركوا أثرًا، وكل الذين لم أعرفهم يومًا لكنهم وجدوا أنفسهم في سطر كتبته.
لهذا لا أكتب لأثبت أنني كاتب…
بل أكتب لأن في داخلي أشياء كثيرة تخاف أن تموت إذا لم تجد الكلمات.
أكتب لأن الصمت، مهما كان جميلًا، قد يتحول أحيانًا إلى سجن.
وأكتب لأن بعض المشاعر لا تستطيع أن تتنفس إلا إذا تحولت إلى حروف.
وأكتب لأن هناك أوجاعًا لا تحتاج إلى طبيب، بل إلى جملة تقول لصاحبها: أنا أفهمك.
كم من إنسان قرأ نصًا فظن أن الكاتب يتحدث عنه.
وكم من شخص مرّ على فقرة عابرة، ثم توقف طويلًا أمامها، لأنه وجد فيها شيئًا يشبهه.
وكم من قلبٍ مكسور إبتسم لأن كلمات غريبة عنه أستطاعت أن تصف وجعه بدقة.
تلك هي قوة الكلمة…
أن تدخل إلى الأماكن التي لا تستطيع الأقدام الوصول إليها.
أن تعبر المسافات دون جواز سفر.
أن تصل إلى قلب إنسان لا تعرف إسمه، ولا تعرف حكايته، ولا تعرف أين يعيش، ثم تترك فيه أثرًا لا يمحى بسهولة.
لهذا، لا أؤمن بأن الكاتب يكتب وحده.
هناك دائمًا شخص آخر يشاركه الكتابة…
قارئٌ مجهول.
روحٌ بعيدة.
ذكرى قديمة.
وجعٌ صامت.
ابتسامةٌ عابرة.
خذلانٌ لم يُنسَ.
أو حتى لحظة حب مرّت سريعًا لكنها تركت في القلب عمرًا كاملًا.
أنا فقط أمسك القلم…
أما الكلمات، فهي تأتي من مكان أعمق بكثير.
تأتي من الحياة.
من الناس.
من الشوارع.
من العيون.
من الخيبات.
من الأمل.
من الوطن.
من نابل التي أحبها، ومن تونس التي تسكنني مهما قست عليها الأيام.
ولعل أجمل ما في الكتابة أنها لا تسألنا عن أعمارنا ولا عن مناصبنا ولا عن عدد ما نملك…
إنها تسأل فقط:
ماذا تركتَ خلفك من أثر؟
فالإنسان قد ينسى الناس صوته، وقد تُطوى صوره، وقد تتغير الأماكن التي عاش فيها، وقد يرحل بعيدًا…
لكن جملة صادقة كتبها في لحظة صدق، قد تعيش بعده سنوات.
وربما بعد رحيله أيضًا.
وهنا أفهم أن الكاتب الحقيقي لا يبحث عن التصفيق بقدر ما يبحث عن الأثر.
لا يريد أن يقال عنه: “كان يكتب كثيرًا.”
بل يتمنى أن يقول أحدهم يومًا:
“ذات يوم، قرأت له كلمة… فغيّرت شيئًا في داخلي.”
ذلك، بالنسبة لي، أجمل من ألف إعجاب، وأصدق من ألف تعليق، وأبقى من كل أرقام الانتشار.
لأن الأرقام تُنسى…
أما الأثر فلا يموت بسهولة.
لذلك، حين أكتب، لا أريد أن أكون فوق الكلمات…
أريد أن أكون واحدًا منها.
أريد أن أكون تلك الكلمة التي تأتي في وقتها تمامًا.
الكلمة التي تواسي دون أن تدّعي أنها قادرة على إصلاح كل شيء.
الكلمة التي تقول للمحبط: لا تستسلم.
وللمكسور: سيجبر الله قلبك.
ولمن خذلته الحياة: ما زالت هناك نافذة مفتوحة.
ولمن فقد شغفه: ابدأ من جديد.
ولمن ظن أن صمته لم يسمعه أحد: هناك من يشعر بك.
هذه هي الكتابة التي أؤمن بها…
كتابة لا تستعرض البلاغة، بل تبحث عن الإنسان.
لا تتباهى بالمفردات، بل تنحاز إلى الحقيقة.
لا تكتب لتجرح، بل لتوقظ.
ولا تبحث عن الشهرة بقدر ما تبحث عن معنى يستحق أن يبقى.
ربما أكون الكاتب…
لكنني أعرف جيدًا أنني لا أستطيع أن أكون شيئًا دون تلك الكلمات التي منحتني صوتًا حين عجز الكلام عن التعبير.
فأنا لا أكتب الكلمات فقط…
أحيانًا الكلمات هي التي تكتبني.
تفضح خوفي.
تكشف ضعفي.
تستعيد ذاكرتي.
وتخبرني عن نفسي أشياء لم أكن أعرفها.
ولذلك، كلما وضعت القلم جانبًا بعد الانتهاء من نص، أشعر أنني لم أكتب مقالًا فقط…
بل تركت جزءًا من روحي بين السطور.
وقد لا يعجب الجميع.
وقد يسيء البعض فهمه.
وقد يختلف معي آخرون.
وهذا طبيعي…
فأنا مسؤول عمّا أقول، لكنني لست مسؤولًا عمّا يفهمه كل إنسان بطريقته.
يكفيني أن أكتب بصدق.
أن أضع قلبي حيث أضع قلمي.
وأن أظل وفيًّا للكلمة التي آمنت بها منذ البداية:
الكلمة أمانة… والكلمة موقف… والكلمة قد تكون أحيانًا وطنًا.
وختاما | حين يموت الكاتب وتبقى الكلمات في النهاية…
قد يأتي يومٌ لا أمسك فيه قلمًا.
قد تتوقف أصابعي عن الكتابة، وقد يصمت صوتي، وقد أغيب عن هذه المنصات، وقد تصبح صورتي مجرد ذكرى في ذاكرة من عرفني.
لكنني أتمنى شيئًا واحدًا فقط:
أن تبقى بعض كلماتي.
أن يجدها إنسان بعد سنوات، فيقرأها ويقول:
“كان هنا شخصٌ يؤمن أن للكلمة قيمة.”
عندها فقط سأعرف أنني لم أكتب عبثًا.
لأن الكاتب قد يرحل…
لكن الكلمات لا ترحل بالضرورة.
والأجساد تفنى، والأصوات تخفت، والوجوه تغيب…
لكن كلمة صادقة خرجت من قلبٍ صادق قد تعيش أكثر من صاحبها.
لذلك…
ربما أكون الكاتب، نعم…
لكنكم أنتم الحكاية.
أنتم الوجوه التي منحت الحروف معناها.
أنتم الذكريات التي أشعلت الحبر.
أنتم الألم الذي تحول إلى نص.
والفرح الذي صار قصيدة.
والحب الذي أصبح سطرًا.
والحياة التي لا تزال تكتبنا جميعًا…
فأنا أكتبكم، وأنتم تكتبونني.
وفي آخر الصفحة، لا يبقى الكاتب وحده…
تبقى الكلمات.
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي .
كاتب وإعلامي من مدينة نابل.
عاشق الترحال وروح الاكتشاف.








