حين ينزل المطر…
لا تتحوّل الشوارع إلى طرقٍ مبلّلة، بل إلى مسابح مفتوحة …!
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي
هذه حال البنية التحتية … ولك الله يا … تونس
حين ينزل المطر… لا تتحوّل الشوارع إلى طرقٍ مبلّلة، بل إلى مسابح مفتوحة …!
المطر نعمة…
والماء حياة…
والغيث حين ينزل على الأرض يُفترض أن يكون بشارة خير، وفرحة للفلاح، وطمأنينة للمواطن.
لكن ماذا يحدث عندما تهطل الأمطار في فترة زمنية قصيرة وبكثافة؟
هنا تبدأ الحكاية الأخرى…
شوارع تغرق، طرقات تختفي تحت المياه، بالوعات لا تستوعب،
قنوات تصريف تنسدّ، أحياء تتحول إلى برك،
ومواطن يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن طريق آمن وسط مياه قد تخفي حفرة، أو مجرى مفتوحًا، أو حافة طريق متهالكة.
فهل المشكلة في المطر؟ أم أن المطر يكشف ما كان مخفيًا تحت الإسفلت؟
الصورة التي أمامنا ليست مجرد مشهد عابر بعد نزول الغيث، ولا مجرد لقطة يمكن المرور عليها بابتسامة أو تعليق سريع.
حذث صباح اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 بمدينة أريانة
إنها صورة تطرح سؤالًا أكبر من حجم المياه التي ملأت المكان:
كيف يمكن أن يتحول المطر، في دقائق معدودة، إلى إمتحان صعب للطرقات وقنوات التصريف وقدرة الأحياء على أستقبال مياه السماء؟
المطر لا يختار الفقراء ولا الأغنياء…
ولا يفرّق بين حيّ وآخر…
ولا يسأل عن العناوين.
لكن قدرة البنية التحتية على أستيعاب المطر هي التي تصنع الفارق.
وعندما تصبح بعض الطرقات، بعد هطول أمطار كثيفة لفترة قصيرة، شبيهة بالمسابح المفتوحة، فإن المشهد لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره ” تقلبًا جويًا “.
نعم، الطبيعة قد تكون قوية، والأمطار الغزيرة قد تفوق قدرة أي منظومة تصريف إذا تجاوزت طاقتها التصميمية.
لكن السؤال المشروع يبقى حاضرًا:
هل نحن مستعدون كل مرة لمواجهة هذه المياه؟
وهل يتم تنظيف قنوات التصريف والبالوعات بصفة دورية؟
وهل تتم معالجة النقاط السوداء التي تتكرر فيها تجمعات المياه؟
وهل صُمّمت بعض الطرقات والانحدارات بما يسمح بتوجيه المياه بدل تجميعها؟
وهل نتعامل مع شبكات تصريف مياه الأمطار بإعتبارها جزءًا أساسيًا من سلامة المدينة، أم لا نتذكرها إلا عندما تتلبد السماء بالغيوم؟
المشكلة ليست دائمًا في كمية المطر… بل أحيانًا في أين يذهب المطر …!
قطرة الماء التي تنزل من السماء لا تعرف أين ستذهب.
هي تبحث عن منفذ طبيعي.
لكن عندما تكون البالوعات مسدودة بالأوساخ، أو تكون مسارات التصريف غير قادرة على إستيعاب المياه، أو تكون بعض قنوات العبور ضيقة أو متضررة، فإن الطريق يصبح هو المجرى…
والرصيف يصبح حاجزًا…
والحي يصبح حوضًا…
والسيارة تصبح في بعض اللحظات وسيلة مهددة بالتعطل أو الإنجراف …
والمواطن يصبح هو من يدفع الثمن.
والأخطر أن المياه قد تخفي تحت سطحها ما لا يُرى:
حفرة، بالوعة مفتوحة، حاجزًا إسمنتيًا، قطعًا من الطريق،
أو مجرى عميقًا لا يظهر إلا بعد فوات الأوان.
لهذا، فإن قضية تصريف مياه الأمطار ليست مسألة جمالية، وليست مجرد إزعاج مؤقت.
إنها مرتبطة مباشرة بسلامة الناس، وبسلامة الممتلكات، وبقدرة المدن والأحياء على الصمود أمام التساقطات الغزيرة.
ثم يأتي السؤال الآخر… ونحن جزء من المشكلة أيضًا!
لا يمكن أن نتحدث عن أنسداد المجاري والقنوات ونلقي المسؤولية كلها على الجهات المشرفة ( البلديات ووزارة التجهيز ) .
هناك من يرمي كيس الفضلات في الطريق،
ومن يترك البلاستيك في مجرى المياه،
ومن يحوّل الرصيف إلى مكب صغير،
ومن يعتقد أن قطعة الورق أو القارورة البلاستيكية لا تصنع فرقًا.
لكن عشرات القطع الصغيرة قد تصبح، مع أول سيلان للمياه، سدًا حقيقيًا يمنع التصريف.
وهكذا تتداخل مسؤوليتان:
مسؤولية البنية التحتية وصيانتها، ومسؤولية المواطن وإحترامه للفضاء العام.
فالمدينة ليست ملكًا للإدارة وحدها،
والطريق ليس ملكًا للسيارة وحدها،
ومجرى تصريف المياه ليس مكانًا لرمي الفضلات.
تونس لا تحتاج إلى الغضب من المطر… بل إلى الإستعداد له
ليس المطلوب أن نمنع السماء من أن تمطر.
وليس المطلوب أن نحارب الطبيعة.
المطلوب أن نتعامل مع المطر كما هو:
حدث طبيعي يجب أن تكون له منظومة حماية وإستجابة وصيانة.
نحتاج إلى صيانة دورية، وتنظيف منتظم لقنوات التصريف، ومراقبة النقاط التي تتجمع فيها المياه، وتحسين مسارات الجريان، ومراجعة ما يتكرر فيه الخلل، وعدم إنتظار الكارثة حتى نبدأ في السؤال: لماذا غرق هذا الطريق؟ ولماذا أنسدت هذه القناة؟ ولماذا أصبحت هذه المنطقة معزولة بعد دقائق من نزول المطر؟
فالسياسة الناجحة للبنية التحتية لا تبدأ بعد الفيضان…
بل تبدأ قبل الغيث.
تبدأ عندما تكون الشمس مشرقة.
تبدأ بالصيانة الوقائية.
تبدأ بالمعاينة الميدانية.
تبدأ بتسجيل النقاط التي تتكرر فيها الإشكالات.
وتبدأ أيضًا بثقافة مواطن يعرف أن رمي الفضلات في الطريق قد يعود عليه وعلى جيرانه بالمياه التي يبحث الجميع عن كيفية تصريفها.
ولك الله يا تونس…
يا تونس الخضراء…
كم من شارع يحمل آثار سنوات طويلة من الإستعمال، وكم من حي ينتظر إصلاحًا، وكم من مجرى لا يُكتشف أهميته إلا عندما تنزل الأمطار، وكم من مواطن يتمنى أن يخرج من منزله بعد المطر دون أن يقضي دقائق طويلة في البحث عن منفذ آمن.
لا نكتب هذا الكلام لجلد الوطن…
بل لأننا نحبه.
ولا نطرح الأسئلة لأننا نبحث عن التشهير…
بل لأن المواطن من حقه أن يسأل.
ومن حقه أن يعرف:
لماذا تتكرر بعض مظاهر تجمع المياه؟
مَن يراقب قنوات التصريف؟
مَن يتدخل قبل موسم الأمطار؟
وهل نستفيد من كل حادثة سابقة لتجنب تكرارها؟
هذه ليست أسئلة مستفزة…
إنها أسئلة مواطن.
الخلاصة…
حين ينزل المطر، تظهر أشياء كثيرة لا نراها في الأيام العادية.
تكشف المياه قوة الطريق…
وتكشف البالوعات مستوى الصيانة…
وتكشف القنوات قدرتها أو عجزها…
وتكشف ثقافة المواطن أيضًا.
ولهذا، لا ينبغي أن يكون السؤال:
“كم نزل من المطر؟”
بل يجب أن يكون أيضًا:
“ماذا فعلنا استعدادًا لهذا المطر؟ وإلى أين ستذهب هذه المياه عندما تهطل بكثافة؟”
فالوطن لا يُقاس فقط بجمال شوارعه عندما تكون السماء صافية…
بل يُقاس أيضًا بقدرته على حماية مواطنيه عندما تمطر.
المطر ليس عدوًا لتونس…
ولكن الإهمال، وسوء التخطيط، وانسداد قنوات التصريف، ورمي الفضلات في مجاري المياه… كلها عوامل يمكن أن تحوّل النعمة إلى أزمة.
وما نراه بعد زخات قوية في بعض المناطق يجب أن يكون مناسبة للمراجعة، لا مجرد صورة تنتشر لساعات ثم تُنسى.
لأن الماء ينحسر…
لكن آثار المشكلة قد تبقى.
ولك الله يا تونس …
بل لك أبناؤك أيضًا، عندما يقررون أن لا يعتادوا المشهد، وأن لا يعتبروا الغرق بعد المطر أمرًا طبيعيًا.
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي








