حين ثارت البشرات
بقلم / محمد مصطفى كامل
الجبال التي رفضت أن تصمت عندما بدأت غرناطة تفقد آخر ما تبقى لها من عهود
في المقال السابق، تركنا غرناطة بعد أن انكسرت المعاهدة التي وُقِّعت يوم سقوطها.
كانت المدينة قد سلّمت مفاتيحها.
لكن الذين بقوا خلف الأسوار لم يسلموا كل شيء.
ظل هناك مسلمون يعيشون في بيوتهم، ويمارسون حياتهم، ويتحدثون لغتهم، ويتمسكون بعاداتهم ودينهم، مستندين إلى عهود أعطيت لهم عند التسليم.
ثم بدأت تلك العهود تضيق.
شيئًا فشيئًا.
لم يعد السؤال:
هل ستبقى غرناطة إسلامية؟
فهذا السؤال انتهى في الثاني من يناير سنة 1492.
السؤال الجديد أصبح أخطر:
هل سيُسمح للمسلمين الذين بقوا فيها أن يبقوا مسلمين؟
وهنا تبدأ قصة أخرى.
قصة لم تبدأ في قصر.
ولم تبدأ بجيش كبير.
بل بدأت من الأزقة، ومن القرى، ثم صعدت إلى الجبال.
إلى البشرات.
وهناك ثار الناس.
لم تكن غرناطة قد سقطت وحدها
حين دخلت القوات القشتالية غرناطة سنة 1492، لم يختفِ المسلمون من الأندلس في اليوم التالي.
وهذه واحدة من أهم النقاط التي تضيع أحيانًا في السرد المختصر لسقوط غرناطة.
كان هناك مجتمع كامل بقي داخل المملكة التي أصبحت تحت الحكم القشتالي.
فقد نصت اتفاقية التسليم على ضمانات تتعلق بالدين والأموال والعادات والمساجد والملكية والحياة الخاصة.
وبقيت المساجد.
وبقي القضاة في بعض المناطق.
وبقي العلماء.
وبقيت اللغة العربية حاضرة في الحياة اليومية.
وكان المسلمون الذين بقوا يُعرفون في الاصطلاح التاريخي باسم المدجّنين، أي المسلمين الذين يعيشون تحت الحكم المسيحي مع احتفاظهم، في مراحل معينة، بوضع قانوني يسمح لهم بممارسة الإسلام.
لكن المشكلة لم تكن في الورق وحده.
فالتاريخ لا يتغير دائمًا عندما تُلغى المعاهدة.
أحيانًا يبدأ التغيير عندما يصبح تنفيذ المعاهدة شيئًا مختلفًا عن نصها.
وهنا ظهر الخلاف بين رجلين يمثلان اتجاهين مختلفين في التعامل مع المسلمين.
تالافيرا… وطريق مختلف
كان هرناندو دي تالافيرا، أول أسقف ثم رئيس أساقفة غرناطة، من أبرز الشخصيات التي اتبعت في البداية سياسة أكثر تدرجًا في التعامل مع المسلمين.
لم يكن مشروعه قائمًا على إجبار الناس على تغيير دينهم بالقوة منذ البداية، بل على محاولة جذبهم تدريجيًا إلى المسيحية من خلال الوعظ والتعليم والتواصل.
كان يتعلم العربية.
وكان حريصًا على مخاطبة المسلمين بطريقة يفهمونها.
وفي هذا السياق، اتخذت عملية التحول الديني في بدايتها طابعًا تدريجيًا.
لكن الزمن كان يتغير.
وكان هناك تيار آخر يرى أن الانتظار لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة.
وفي مقدمة هذا الاتجاه ظهر رجل شديد النفوذ:
الكاردينال فرانثيسكو خيمينيث دي سيسنيروس.
عندما وصل سيسنيروس إلى غرناطة
كان سيسنيروس رجلًا مختلفًا في أسلوبه.
وصل إلى غرناطة سنة 1499، في سياق كانت فيه عملية التنصير تسير بصورة أبطأ مما كان يأمله بعض رجال الكنيسة والسلطة.
وبدأت سياسة أكثر ضغطًا.
استُدعيت شخصيات إسلامية.
وطُرحت مسألة التحول الديني بقوة أكبر.
وأُعيد فتح ملفات لم تكن قد حُسمت.
وأصبح المسلم الذي كان بالأمس يعيش وفق شروط المعاهدة أمام واقع جديد.
ليس بالضرورة أن يكون السيف قد وُضع على رقبته في كل حالة.
لكن الضغط الاجتماعي والديني والسياسي بدأ يتزايد.
وكان هذا كافيًا لإشعال مجتمع يعيش أصلًا فوق أرض شديدة الحساسية.
البداية من غرناطة
في سنة 1499 اندلعت اضطرابات داخل مدينة غرناطة.
لم تكن الثورة في بدايتها حركة عسكرية منظمة لها قيادة موحدة وجيش واضح.
كانت أقرب إلى انفجار اجتماعي وديني وسياسي.
بدأت الاحتكاكات في أحياء من المدينة، ثم اتسعت.
وكانت السلطة أمام مشكلة حقيقية:
كيف يمكن تهدئة مدينة ما زالت تحمل آثار العهد السابق، دون أن يتحول العصيان إلى حرب واسعة؟
في بعض المناطق جرت مفاوضات.
وفي مناطق أخرى استخدمت القوة.
وكانت النتيجة أن التوتر لم ينتهِ.
بل خرج من المدينة.
واتجه إلى الريف.
ثم إلى الجبال.
إلى البشرات.
البشرات، الجبال التي كانت تعرف كيف تقاوم
كانت البشرات، وهي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب وغرب غرناطة، مختلفة عن المدينة.
جبال.
ودروب ضيقة.
وقرى متباعدة.
وتضاريس تجعل السيطرة العسكرية أكثر صعوبة.
وكانت المنطقة تضم عددًا كبيرًا من المسلمين الذين حافظوا على تقاليدهم وعاداتهم.
وهنا بدأت شرارة الاضطراب تتحول إلى تمرد مسلح.
لم يكن الأمر مجرد معركة على أرض.
كان صراعًا حول سؤال أكبر ،
هل يستطيع مجتمع مسلم أن يحافظ على دينه وهويته بعدما أصبح تحت حكم دولة مسيحية؟
وكانت الإجابة التي خرجت من الجبال
لن يكون الأمر بهذه السهولة.
الثورة لم تكن جيشًا واحدًا
من المهم هنا ألا نتخيل ثورة البشرات الأولى كأنها كانت دولة منظمة أعلنت الحرب على قشتالة.
هذا ليس دقيقًا.
فقد كانت هناك انتفاضات محلية متعددة.
وكانت درجة المقاومة تختلف من مكان إلى آخر.
بعض القرى دخلت في القتال.
وأخرى قبلت التفاوض.
وبعض السكان كانوا يبحثون عن الأمان أكثر مما يبحثون عن حرب طويلة.
كما أن السلطة نفسها لم تتعامل مع جميع المناطق بالطريقة نفسها.
وهذه التفاصيل مهمة.
لأن التاريخ لا يتحرك دائمًا في صورة:
جيش ضد جيش.
أحيانًا تكون الحرب بين دولة قوية ومجتمع مشتت، فتكون المعركة على الولاء، والهوية، والقدرة على البقاء.
من التمرد إلى التسوية
مع اتساع الاضطرابات، بدأت السلطة الملكية تتحرك بقوة أكبر.
فلم تعد المسألة مجرد مشكلة دينية داخل مدينة.
أصبحت تمردًا يهدد الاستقرار في مملكة غرناطة التي لم يمضِ على ضمها سوى سنوات قليلة.
وأرسلت القوات لإخضاع المناطق المتمردة.
واستخدمت القوة العسكرية إلى جانب التفاوض.
وفي بعض الحالات قُدمت عهود بالأمان لمن يضع السلاح.
وكان الهدف واضحًا ،
إنهاء التمرد قبل أن يتحول إلى حرب أوسع.
وبحلول سنة 1500 بدأت المقاومة المنظمة تتراجع.
لكن المفارقة أن إخماد الثورة لم يُعد الأمور إلى ما كانت عليه.
بل أدى إلى نتيجة أخطر.
انتصر الجيش وخسر المسلمون وضعهم القديم
كان بإمكان السلطة أن تقمع التمرد ثم تعود إلى تنفيذ شروط التسليم.
لكن الذي حدث كان مختلفًا.
أصبح التحول الديني نفسه جزءًا من الحل السياسي.
وبعد إخضاع التمرد في مملكة غرناطة، اتجهت السلطة إلى إنهاء الوضع القانوني للمسلمين هناك.
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم أمام خيارات قاسية ،
إما التحول إلى المسيحية، وإما مغادرة البلاد.
وهنا حدث التحول الأكبر.
فالمسلم الذي كان يُعرف قبل ذلك بأنه مدجّن، أصبح بعد التحول القسري أو تحت ضغط الظروف جزءًا من جماعة جديدة ستُعرف لاحقًا باسم ،
الموريسكيين.
من مدجّن إلى موريسكي
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن المصطلحين ليسا متطابقين.
المدجّن كان مسلمًا يعيش تحت حكم مسيحي مع اعتراف قانوني، في مراحل معينة، بحقه في ممارسة الإسلام.
أما الموريسكي فكان مسلمًا أُجبر على اعتناق المسيحية أو دخل فيها، ثم عاش هو أو نسله داخل المجتمع المسيحي الجديد.
وهكذا تغير الاسم.
لكن الاسم لم يغير الواقع فورًا.
فقد دخلت السلطة في معركة جديدة.
لم تعد المعركة:
كيف نُخضع غرناطة؟
بل كيف نغيّر المجتمع الذي يعيش فيها؟
وهذه كانت معركة أصعب بكثير.
المساجد التي تغيرت وظائفها
بدأت عملية تحويل المساجد إلى كنائس في سياق إنهاء الوجود الإسلامي القانوني.
وبعض المساجد الكبرى التي كانت يومًا مراكز للحياة الدينية أصبحت أماكن للعبادة المسيحية.
لكن المبنى يمكن أن يتغير في يوم.
أما ذاكرة المجتمع فلا تتغير بسهولة.
فالأسماء بقيت.
والبيوت بقيت.
والعادات بقيت.
واللغة بقيت.
والملابس والطعام وأنماط الحياة بقيت بدرجات متفاوتة.
ولهذا لم تنتهِ القضية بإعلان التحول الديني.
لقد بدأت مرحلة جديدة.
مرحلة الموريسكيين.
ولم تكن كل الأندلس سواء
وهنا يجب ألا نقع في خطأ شائع.
ما حدث في مملكة غرناطة في مطلع القرن السادس عشر لم يحدث بالطريقة نفسها وفي اللحظة نفسها في كل الأراضي الإسبانية.
فقد كانت أوضاع المسلمين مختلفة بين تاج قشتالة وتاج أراچون.
وفي قشتالة، صدر في سنة 1502 قرار يلزم المسلمين بالتحول إلى المسيحية أو مغادرة البلاد.
أما في أراچون، فقد استمر وجود المسلمين قانونيًا فترة أطول، قبل أن تأتي قرارات التحول القسري في عشرينيات القرن السادس عشر.
وهكذا لم يكن عام 1492 نهاية فورية لكل مسلم في شبه الجزيرة الإيبيرية.
بل كان بداية سلسلة طويلة من القرارات التي أخذت تضيق الخناق على الوجود الإسلامي عبر عقود.
لكن الجبال لم تنسَ
كانت البشرات قد خضعت.
لكن الخضوع العسكري لا يعني دائمًا انتهاء المقاومة.
لقد دخل المسلمون مرحلة جديدة.
لم يعد لديهم كيان سياسي مستقل.
ولا دولة.
ولا جيش.
ولا سلطان.
لكن بقيت أشياء لا تستطيع الجيوش القضاء عليها بسهولة :
اللغة.
الذاكرة.
العائلة.
العادات.
والدين الذي ظل حاضرًا، بدرجات متفاوتة، في حياة بعض الأسر رغم التحول الرسمي.
وهنا ظهرت مشكلة ستطارد الدولة الإسبانية لعقود :
هل يمكن تغيير دين مجتمع كامل بقرار ملكي؟
كان الجواب على الأرض أكثر تعقيدًا مما توقعه أصحاب القرارات.
البشرات لم تكن النهاية
قد يظن القارئ أن قصة البشرات انتهت عندما أُخمدت الثورة الأولى.
لكن الحقيقة أن الجبال ستعود مرة أخرى.
بعد ما يقرب من سبعة عقود، وفي سنة 1568، ستندلع في البشرات واحدة من أخطر الثورات الموريسكية.
وهذه المرة لن تكون مجرد امتداد بسيط لأحداث 1499–1501.
ستكون مواجهة أوسع.
وسيظهر فيها اسم قائد سيصبح أحد أشهر رموز المقاومة الموريسكية :
فرناندو دي فالور، المعروف باسم ابن أمية.
وستدخل إسبانيا في حرب جبلية طويلة.
لكن ذلك سيكون فصلًا آخر.
من وراء الستار…
سقوط غرناطة لم يكن لحظة واحدة.
لم ينتهِ كل شيء عندما غادر أبو عبد الله الصغير المدينة.
فبعد سقوط الدولة جاءت معركة أخرى:
معركة الإنسان الذي بقي بلا دولة.
في البداية كانت المعاهدة تحميه.
ثم ضعفت المعاهدة.
ثم تغيرت السياسة.
ثم أصبح التحول الديني شرطًا للبقاء.
ثم ظهر الموريسكي.
وهكذا انتقلت القضية من:
من يملك غرناطة؟
إلى سؤال أعمق :
من يملك ذاكرة غرناطة؟
فالمدن يمكن أن تسقط في يوم.
والقصور يمكن أن تتحول إلى متاحف.
والأعلام يمكن أن تتغير.
لكن الهوية لا تختفي بمجرد تغيير اسم الحاكم.
ولهذا لم تكن ثورة البشرات مجرد تمرد عسكري.
كانت أول علامة كبيرة على أن سقوط الدولة لم يكن نهاية الصراع.
بل بداية مرحلة جديدة ،
مرحلة سيقاتل فيها مجتمع بلا دولة من أجل أن يحتفظ بشيء من نفسه.
وفي المقال القادم…
لن نعود إلى قصر الحمراء.
بل سنعود إلى الجبال.
إلى سنة 1568.
حين اشتعلت البشرات مرة أخرى،
لكن هذه المرة كانت النار أكبر.
وكان السؤال أخطر ،
هل تستطيع الجبال أن تستعيد ما فقدته غرناطة؟








