حين سقطت عكا.
بقلم / محمد مصطفى كامل
في التاريخ من وراء الستار لا نكتفي بأن نعرف ماذا حدث، بل نحاول أن نعرف كيف حدث، ولماذا حدث، وما الذي كان يجري خلف المشهد بينما كانت الأحداث الكبرى تُكتب أمام أعين الناس.
عبرنا البحر، وامتطينا الخيول، وركبنا السفن، وطوينا المسافات بين المشرق والمغرب، وانتقلنا من مدينة إلى أخرى، ومن قرن إلى قرن، ثم عدنا إلى كتب المؤرخين ورواياتهم ووثائق العصور؛ نفتش بين السطور، ونبحث عن التفاصيل التي قد تختبئ خلف رواية مختصرة أو حدث يبدو للوهلة الأولى واضحًا.
تركنا الأندلس في صراعاتها، وعدنا إلى المشرق.
إلى زمن كان فيه البحر يحمل الجيوش والإمدادات، وكانت الأسوار تفصل بين مملكتين، وكانت مدينة واحدة تختزن في داخلها بقايا مشروعٍ استمر قرابة قرنين.
مدينة لم تكن مجرد ميناء.
ولم تكن مجرد حصن.
بل كانت آخر باب كبير بقي مفتوحًا أمام الفرنجة في ساحل الشام.
إنها عكا.
وهنا تبدأ الحكاية من اللحظة التي وقف فيها المماليك أمام أسوارها، بعد أن أسقطوا حصنًا تلو آخر، حتى لم يبقَ أمامهم إلا المدينة التي ظلت تقاوم.
لكننا لن ندخل عكا من بوابتها فقط،
سنعود إلى الوراء قليلًا، لنرى كيف أصبحت هذه المدينة عاصمةً لمملكة القدس بعد سقوط القدس، وكيف اجتمع خلف أسوارها الفرسان والتجار ورجال الدين والسياسة، وكيف أصبحت مطمعًا للقوى القادمة من البحر.
ثم سنعود إلى سنة 1291م
إلى قلاوون الذي بدأ الطريق ولم يره مكتملًا.
وإلى ابنه الأشرف خليل الذي حمل الراية من بعده.
وإلى أسوار عكا عندما بدأت تهتز تحت ضربات المماليك.
فهل كانت عكا مدينة تسقط؟
أم كان سقوطها يعني سقوط آخر باب كبير للفرنجة في المشرق؟
فلنفتح الستار…
حين سقطت عكا
المدينة التي صمدت قرابة قرن، ثم سقطت فسقط معها آخر باب كبير للفرنجة في المشرق
في المقال السابق، تركنا قلاوون عند أبواب عكا.
كان قد أسقط المرقب.
ثم اللاذقية.
ثم طرابلس.
وبقيت عكا.
لكن قلاوون مات قبل أن يصل إليها.
وفي سنة 689هـ / 1290م، انتقل المشروع إلى ابنه ،،،،
الملك الأشرف صلاح الدين خليل.
لم يكن الأشرف أمام مدينة عادية.
كانت عكا آخر مركز كبير للوجود الصليبي في الساحل الشامي.
خلف أسوارها كان هناك الفرسان والتجار ورجال الكنيسة والسياسيون.
ومن مينائها كان يمكن أن تصل الإمدادات من البحر.
وكانت أوروبا لا تزال تنظر إليها باعتبارها بوابة يمكن من خلالها العودة إلى الشرق.
ولهذا لم يكن سقوط عكا يعني سقوط مدينة فحسب.
كان يعني أن الباب الذي بقي مفتوحًا أمام عودة الحملات الصليبية بدأ يُغلق.
لماذا كانت عكا مهمة إلى هذه الدرجة؟
لفهم ما حدث سنة 1291، يجب أن نعود قليلًا إلى الوراء.
فقد كانت عكا قد أصبحت مركزًا رئيسيًا للصليبيين بعد سقوط القدس في يد صلاح الدين سنة 1187.
وبعد الحملة الصليبية الثالثة، وما ارتبط بها من استعادة عكا سنة 1191، أصبحت المدينة عاصمة فعلية لمملكة القدس الصليبية في مرحلتها الأخيرة.
وكان موقعها استثنائيًا.
مدينة ساحلية.
ميناء نشط.
اتصال مباشر بالبحر المتوسط.
ومركزًا للتجارة بين الشرق والغرب.
كما كانت نقطة تجمع للقوى العسكرية الصليبية.
ففيها فرسان الهيكل.
وفرسان الإسبتارية.
وقوى عسكرية أخرى.
وكان فيها أيضًا تجار من مدن أوروبية، خصوصًا القوى البحرية الإيطالية التي كان لها وجود تجاري قوي في شرق المتوسط.
ولهذا كانت عكا أشبه بمدينة دولية داخل المشرق.
لكنها كانت أيضًا مدينة منقسمة من الداخل.
وهذه نقطة ستصبح مهمة عندما يبدأ الحصار.
الصليبيون لم يكونوا دولة واحدة
من أكثر الأخطاء شيوعًا في تصوير الحروب الصليبية أن نتخيل أن جميع الفرنجة كانوا جيشًا واحدًا.
لم يكن الأمر كذلك.
كانت هناك مملكة القدس.
وفرسان الهيكل.
وفرسان الإسبتارية.
وفرسان التيوتون.
وتجار من جنوة والبندقية وبيزا.
وأمراء وقادة محليون.
ورجال دين.
وكانت المصالح تختلف بينهم.
أحيانًا يتعاونون.
وأحيانًا يتنافسون.
وكانت هذه الانقسامات واحدة من نقاط الضعف التي ستظهر بوضوح عندما اقترب المماليك.
الأشرف خليل يتقدم
لم ينتظر الأشرف خليل طويلًا.
فبعد وفاة قلاوون، أصبح واضحًا أن مشروع إسقاط عكا لن يتوقف.
وفي ربيع سنة 690هـ / 1291م تحرك الجيش المملوكي.
وكانت الحملة ضخمة.
لم تكن غارة سريعة.
كان الهدف الحصار الكامل.
تحركت القوات من مصر نحو الشام.
واجتمعت الجيوش.
وكان مع الأشرف كبار الأمراء وقادة الجيش.
ومن أبرزهم نائب السلطنة في دمشق الأمير حسام الدين لاجين،
وغيره من الأمراء الذين قادوا وحدات الجيش المملوكي.
وفي النهاية ظهر جيش المماليك أمام عكا.
مدينة خلف الأسوار
كانت عكا محمية بتحصينات قوية.
أسوار مزدوجة في بعض المواضع.
وأبراج.
وخندق.
وأبواب.
وموقع بحري يسمح باستقبال المؤن.
وكان المدافعون يعرفون أن سقوط الأسوار يعني نهاية المدينة.
ولهذا استعدوا.
وأرسلوا طلبات النجدة.
وكان الأمل أن تصل حملة من أوروبا.
لكن الزمن لم يكن في صالحهم.
بدأ الحصار
في أبريل 1291م تقريبًا، بدأ الحصار المملوكي بصورة كاملة.
ونصبت آلات الحصار.
وكان المماليك يمتلكون خبرة طويلة في حرب المدن والحصون.
فقد حاصروا مدنًا وحصونًا كثيرة من قبل.
وكانت لديهم فرق متخصصة في صناعة آلات الحصار.
ومن أبرز الأسلحة المستخدمة ،
المنجنيقات.
لكن المماليك لم يعتمدوا على المنجنيقات وحدها.
استخدموا الحفر.
والأنفاق.
والأبراج المتحركة.
والاقتراب التدريجي من الأسوار.
وكان الهدف تفكيك دفاعات المدينة طبقة بعد أخرى.
عندما بدأت الأرض تتحرك تحت الأسوار
في حصار المدن في العصور الوسطى، كان أحد أخطر الأسلحة ليس ما يُرى في السماء،بل ما يحدث تحت الأرض.
كانت فرق من المهندسين والحفارين تحفر الأنفاق تحت الأبراج والأسوار.
ثم تُدعّم الأخشاب.
وعندما تصل الحفرة إلى النقطة المطلوبة، يمكن إحراق الدعامات.
فتنهار أجزاء من التحصينات.
وكان المدافعون يحاولون اكتشاف هذه الأنفاق وحفر أنفاق مضادة للوصول إلى المهاجمين.
وهكذا أصبحت الحرب تحت الأرض أيضًا.
فوق الأسوار ،
سهام.
وحجارة.
ونيران.
وتحت الأرض ،
حفر.
وممرات.
وانهيارات.
عكا تطلب النجدة
كانت المدينة تدرك أن الوقت ينفد.
وأُرسلت الرسائل إلى أوروبا.
لكن أوروبا لم تكن قادرة على إنقاذ عكا في الوقت المناسب.
وصلت بعض المساعدات المحدودة.
كما وصلت سفن تحمل مقاتلين وإمدادات.
لكنها لم تكن حملة صليبية كبرى قادرة على قلب ميزان القوى.
وكانت المشكلة أن المسافة بين أوروبا وعكا لم تكن مجرد مسافة بحرية.
كانت مسافة سياسية أيضًا.
فأوروبا في أواخر القرن الثالث عشر كانت تعاني صراعاتها الخاصة.
والبابوية.
والملوك.
والحروب الأوروبية.
والمصالح التجارية.
كل ذلك جعل فكرة حملة ضخمة لإنقاذ عكا أكثر صعوبة.
شهر بعد شهر
مر أبريل.
ثم مايو.
والمدينة تقاوم.
لكن المماليك يقتربون.
كانت آلات الحصار تضرب الأسوار.
وكانت التحصينات تتصدع.
وكان المدافعون يخرجون أحيانًا في هجمات مضادة لتدمير آلات الحصار.
وكانت المعركة تتحول إلى حرب استنزاف.
لكن الكفة كانت تميل تدريجيًا.
ليس لأن المماليك كانوا أقوى في كل مواجهة.
بل لأنهم كانوا يملكون ما تحتاجه حرب الحصار ،،
العدد.
والتنظيم.
والإمداد.
والوقت.
البحر لم ينقذ عكا
كان البحر أحد أهم أسباب بقاء عكا.
لكن البحر لا يستطيع وحده إنقاذ مدينة محاصرة إذا لم تأتِ قوة كبرى من الخارج.
كان بإمكان السفن أن تنقل الرجال والمؤن.
لكنها لم تستطع كسر الحصار البري.
وهنا بدأ الموقف يزداد سوءًا.
كلما تقدمت القوات المملوكية نحو الأسوار، أصبح مجال حركة المدافعين أضيق.
وكلما انهار برج أو جزء من السور، أصبحت المدينة أقرب إلى السقوط.
الأيام الأخيرة
في مايو 1291، اشتد الضغط.
واقترب المماليك من التحصينات الرئيسية.
ثم بدأ الهجوم النهائي.
كانت الطبلات والأبواق تعلن تحرك الجيش.
وتقدمت القوات.
وتعرضت الأسوار لقصف متواصل.
ثم بدأت أجزاء منها تتهاوى.
ودخل القتال مرحلة مختلفة:
لم يعد السؤال، هل ستسقط عكا؟
بل ،متى؟
18 مايو 1291
في 18 مايو 1291م وقع الهجوم الحاسم.
اقتحمت القوات المملوكية المدينة من أكثر من موضع.
وكان القتال شديدًا.
وتحصن المدافعون في مواضع مختلفة.
وحاول بعضهم الانسحاب نحو الميناء.
وكانت الفوضى تزداد.
وسقطت أجزاء من المدينة.
ثم بدأت مقاومة الأحياء الداخلية تتهاوى.
وبحلول ذلك اليوم كانت عكا قد سقطت في أيدي المماليك.
لكن المعركة لم تكن مجرد دخول جيش إلى مدينة.
كانت نهاية مرحلة تاريخية امتدت قرابة قرنين.
ماذا حدث للمدافعين؟
هنا تظهر واحدة من أكثر الصفحات قسوة في تاريخ الحصار.
فبعد اقتحام المدينة، وقعت عمليات قتل وأسر ونهب.
وفر بعض السكان والقادة عبر البحر.
ونجا عدد من الفرسان والتجار إلى قبرص وغيرها.
لكن كثيرًا من السكان لم يستطيعوا الهرب.
وكانت المدينة قد تحولت خلال ساعات إلى مشهد من الفوضى والعنف.
وهذه طبيعة الحروب في العصور الوسطى ،
عندما تسقط مدينة بعد حصار طويل، لا يكون السقوط مجرد انتقال إداري للسلطة.
بل غالبًا ما تكون الساعات الأولى بعد الاقتحام من أكثر مراحل الحرب دموية.
النهاية لم تكن لعكا وحدها
بعد سقوط عكا، لم يختفِ الوجود الصليبي من المشرق في اللحظة نفسها.
بقيت مواقع أخرى لفترة قصيرة.
مثل صور.
وصيدا.
وبيروت.
وطرطوس.
وعريمة.
وبعض القلاع والمواقع الساحلية.
لكن عكا كانت القلب.
وحين سقط القلب، أصبحت بقية الأطراف معزولة.
وسرعان ما بدأ المماليك في إسقاط ما تبقى من المواقع الصليبية.
وفي سنة 1291م سقطت أو أُخليت مواقع أخرى، ثم اكتملت عملية إنهاء الوجود الصليبي على الساحل الشامي خلال السنوات التالية.
وبذلك انتهى الوجود السياسي والعسكري الصليبي الكبير في بلاد الشام.
هل انتهت الحروب الصليبية؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
سقوط عكا سنة 1291 لا يعني أن فكرة الحروب الصليبية اختفت من أوروبا في اليوم التالي.
استمرت الدعوات الصليبية.
واستمرت الحملات والمشروعات العسكرية ضد المسلمين في مناطق أخرى.
لكن الدولة الصليبية في المشرق فقدت آخر مركزها الكبير.
لم تعد هناك مملكة القدس كما كانت.
ولا إمارة طرابلس.
ولا شبكة المدن الساحلية التي سمحت للفرنجة بالبقاء في الشام.
ولهذا يمثل سقوط عكا نهاية مرحلة كبرى من تاريخ الحروب الصليبية في المشرق.
لماذا نجح المماليك؟
قد يبدو سقوط عكا وكأنه نتيجة تفوق عسكري في حصار واحد.
لكن وراءه عقود من التراكم.
منذ صلاح الدين بدأت الخريطة تتغير.
ثم جاء الكامل.
ثم الصالح أيوب.
ثم شجر الدر.
ثم المماليك.
ثم قطز.
ثم بيبرس.
ثم قلاوون.
ثم الأشرف خليل.
لم يكن سقوط عكا وليد سنة 1291.
كان نتيجة تآكل طويل للمشروع الصليبي في المشرق، يقابله صعود مستمر لدولة المماليك.
وهنا تظهر أهمية قلاوون.
فهو الذي أخذ مشروع بيبرس وواصل تفكيك المراكز الصليبية:
المرقب.
اللاذقية.
طرابلس.
ثم ترك لعكا المهمة الأخيرة.
ومات قبل أن يراها تسقط.
فجاء ابنه ليكمل الطريق.
من صلاح الدين إلى الأشرف خليل
هناك قوس تاريخي طويل يستحق التأمل.
صلاح الدين حرر القدس سنة 1187.
وبعده بقي الصليبيون في الساحل.
ثم استعادوا عكا.
ثم أصبحت عكا عاصمتهم.
ومرت عقود.
ثم جاء المماليك.
وبعد أكثر من قرن من معركة حطين، وصل المشروع إلى لحظته الأخيرة.
لم يسقط الوجود الصليبي في عكا بسبب معركة واحدة منفصلة عن التاريخ.
بل لأن ميزان القوى في المنطقة كان قد تغير.
الدولة الأيوبية ضعفت.
ثم صعد المماليك.
والمغول ظهروا ثم تراجعوا أمامهم.
والصليبيون تقلصت مناطقهم.
حتى أصبحت عكا آخر مدينة كبرى.
ثم سقطت.
ولكن ماذا عن أوروبا؟
هنا يفتح سقوط عكا سؤالًا آخر.
لماذا لم تأتِ أوروبا لإنقاذ المدينة؟
لماذا كانت الحملات الصليبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر أكثر قدرة على الوصول إلى الشرق، بينما عجزت أوروبا في لحظة سقوط عكا عن تنظيم حملة تنقذ آخر معاقلها الكبرى؟
الإجابة ليست سببًا واحدًا.
فأوروبا كانت تعيش تحولات سياسية عميقة.
كانت الممالك الأوروبية تتصارع فيما بينها.
وكانت المصالح التجارية أحيانًا تتعارض مع المشروع العسكري.
كما أن تجربة الحملات الصليبية نفسها كانت قد تغيرت.
لم تعد القدس وحدها مركز السياسة الأوروبية.
وكانت القوى البحرية الإيطالية تفكر أيضًا في مصالحها التجارية.
وهكذا لم تعد أوروبا كتلة واحدة تتحرك خلف هدف واحد.
عكا بعد السقوط
أما المدينة نفسها ،
فلم تختفِ.
الحجر بقي.
والبحر بقي.
والميناء بقي.
لكن المدينة دخلت عصرًا جديدًا.
وأصبحت جزءًا من دولة المماليك.
وانتهت الوظيفة التي جعلتها لقرون نقطة اتصال رئيسية بين أوروبا والوجود الصليبي في الشام.
وبالنسبة للمماليك، كان سقوطها انتصارًا استراتيجيًا.
أما بالنسبة للصليبيين، فكان خسارة قاعدة رئيسية لم يعد من السهل تعويضها.
من وراء الستار…
هناك مدن تسقط فتتغير خريطة منطقة.
وهناك مدن تسقط فتغلق بابًا تاريخيًا.
وعكا كانت من النوع الثاني.
حين سقطت عكا سنة 1291، لم تسقط حجارة المدينة وحدها.
سقط آخر مركز كبير لمملكة القدس الصليبية في المشرق.
انتهت إمارة طرابلس.
وتلاشى معظم الوجود الصليبي الساحلي.
وأصبح المماليك القوة الرئيسية في مصر والشام.
لكن التاريخ لم يتوقف.
فبعد سقوط عكا، لم يعد السؤال :
من سيطرد الصليبيين من الشام؟
لقد أُجيب عن هذا السؤال.
وأصبح السؤال الجديد :
ماذا سيفعل المماليك بالدولة التي أصبحت القوة الأكبر في المنطقة؟
فالمغول ما زالوا في الشرق، والأناضول لم يكن قد استقر بعد، وقوى جديدة كانت تتشكل على أطرافه.
والتجارة العالمية كانت تتغير.
وفي الأفق كانت قوى جديدة تتشكل.
قوى لم تكن موجودة في المشهد عندما سقطت بغداد.
ولم تكن قد أصبحت بعدُ القوة التي ستغير الشرق كله.
لكنها كانت تقترب.
وفي الجانب الآخر ،،
كانت دولة المماليك تدخل مرحلة جديدة.
مرحلة سيظهر فيها سلاطين جدد.
ومؤامرات جديدة.
وحروب جديدة.
ووباء سيضرب العالم الإسلامي كله.
وسيأتي يوم يكتشف فيه المماليك أن أخطر أعدائهم لم يأتِ هذه المرة من وراء البحر ،
بل من الشرق.
وهكذا نغلق بابًا فتحناه منذ أن نزلت الجيوش الصليبية على سواحل الشام.
من القدس ،
إلى حطين ،
إلى عكا ،
ثم إلى سقوط آخر معاقل الفرنجة.
لكننا لا نغلق كتاب المشرق.
بل نفتح فصلًا جديدًا.
فبعد أن خرج الصليبيون من عكا،
بقي المغول.
وبقي المماليك.
وبقي الشرق ينتظر القوة الجديدة التي ستظهر على حدوده.
ومن هنا سنعود إلى بغداد والأناضول والشام.
إلى زمن تتغير فيه خريطة العالم الإسلامي من جديد.
فالتاريخ لا يترك فراغًا طويلًا.
حين يرحل خصم،يأتي آخر.
وحين تسقط دولة،تبدأ دولة أخرى في الصعود.
وهذه المرة،سيأتي الخطر من جهة لم تكن عكا قادرة على رؤيتها أصلًا








