عاجلمقالاتمنوعات

الشموت تستغيث.. الصرف الصحي ليس رفاهية..

وأهالي القرية يستحقون حلاً جذريًا بعد سنوات من المعاناة

الشموت تستغيث.. الصرف الصحي ليس رفاهية..

وأهالي القرية يستحقون حلاً جذريًا بعد سنوات من المعاناة

 

بقلم ممدوح عكاشة

هناك مشكلات يمكن أن نختلف حولها، ومشكلات يمكن أن ننتظر في حلها بعض الوقت، لكن هناك مشكلات تمس كرامة الإنسان وصحته وحياته اليومية، ولا يجوز أن تتحول إلى أمر واقع يتعايش معه الناس لسنوات.

ومن هذه المشكلات، وربما في مقدمتها، أزمة الصرف الصحي في قرية الشموت التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية.

فالحديث عن الصرف الصحي في الشموت ليس حديثًا عن ماسورة مسدودة أو بالوعة تحتاج إلى تسليك، وليس مجرد شكوى عابرة يمكن التعامل معها بسيارة كسح ثم ينتهي الأمر.

القضية أكبر من ذلك بكثير.

إنها قضية شبكة تحتاج إلى تقييم حقيقي، وإحلال وتجديد، وحل جذري يواكب حجم القرية وتوسعها العمراني والزيادة الكبيرة في عدد سكانها.

والأهم من ذلك أن هذه القضية ليست جديدة، وليست وليدة اليوم أو الأمس.

ففي عام 2022 كانت هناك شكاوى منشورة عن تكرار طفح مياه الصرف في شوارع الشموت ومنطقة المقابر، وأشارت تقارير وقتها إلى أن أجزاء من الشبكة كانت قديمة ومتهالكة، وأنها أُنشئت بالجهود الذاتية منذ سنوات طويلة.

وفي ديسمبر 2025، جاءت جولة لرئيس مجلس إدارة شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية إلى الشموت، بعد شكاوى الأهالي، وتم الاتفاق على استعجال الدراسات والإجراءات الخاصة بالبدء في مشروع إحلال وتجديد شبكات الصرف الصحي بالشموت وجزيرة الشموت، مع توفير معدات وسيارات تسليك للتعامل مع الطفوحات والأعطال بصورة عاجلة.

وهنا يجب أن نتوقف.

إذا كانت الجهات المختصة نفسها قد وصلت إلى مرحلة الحديث عن إحلال وتجديد الشبكات، فهذا يعني أن الحل المؤقت لم يعد كافيًا.

الشموت لا تريد مسكنات.. الشموت تريد مشروعًا ينهي الأزمة

أهالي الشموت لا يطلبون المستحيل.

لا يطلبون طريقًا من ذهب، ولا مشروعًا ترفيهيًا، ولا خدمة إضافية.

هم يطلبون شيئًا من أبسط حقوق الحياة الكريمة:

صرف صحي آمن يعمل بكفاءة.

فما معنى أن يعيش المواطن وهو لا يعرف متى يحدث الطفح القادم؟

ما معنى أن يخرج من منزله فيجد مياه الصرف في الشارع؟

ما معنى أن تضطر الأسر إلى التعامل بصورة مستمرة مع مشكلات الطفو والانسداد؟

وما معنى أن تصبح سيارات الكسح جزءًا من المشهد المعتاد في قرية كبيرة؟

سيارة الكسح قد تكون حلًا طارئًا في موقف استثنائي، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن شبكة صرف صحي سليمة.

وإذا أصبح المواطن ينتظر سيارة الكسح كلما حدثت مشكلة، فنحن أمام إدارة للأزمة، ولسنا أمام حل للأزمة.

المشكلة ليست في اليوم.. المشكلة في سنوات مضت

من أخطر ما في قضية الشموت أن الحديث عنها يتكرر منذ سنوات.

ففي سبتمبر 2022، تناولت وسائل الإعلام مشكلة طفح مياه الصرف في الشوارع والمقابر، وذكرت شكاوى الأهالي أن المواسير القديمة كانت سببًا في تكرار الانفجارات والطفح.

وفي سبتمبر 2025، نُشرت تقارير أخرى تتحدث عن استمرار معاناة الأهالي من مشكلة الصرف الصحي، وعن تكرار غرق بعض المناطق بالمياه.

ثم في ديسمبر من العام نفسه، جاءت جولة ميدانية لرئيس شركة مياه القليوبية، والاستماع إلى الأهالي، والاتفاق على الإسراع في إجراءات مشروع إحلال وتجديد الشبكات.

أي أن القضية ليست شكوى ظهرت فجأة.

القضية لها تاريخ.

وهذا التاريخ هو ما يجعل السؤال مشروعًا:

إلى متى يستمر التعامل مع الأزمة بمنطق الطوارئ؟

ومتى يتحول الأمر إلى خطة تنفيذ واضحة ومعلنة؟

الصرف الصحي ليس مجرد خدمة.. إنه صحة عامة

عندما نتحدث عن الصرف الصحي، فإننا لا نتحدث فقط عن نظافة الشارع.

نحن نتحدث عن الصحة العامة.

المياه الراكدة ومياه الصرف المتجمعة في المناطق السكنية تخلق بيئة غير صحية، وتؤثر في حياة الأطفال وكبار السن وكل مواطن يعيش بالقرب منها.

والأمر لا يتوقف عند الشارع.

فالمشكلة عندما تتكرر وتستمر يمكن أن تؤثر في المنازل والمنشآت والطرق.

ولهذا فإن التعامل مع الصرف الصحي يجب أن يكون من خلال رؤية متكاملة:

شبكة سليمة + خطوط مناسبة + محطات رفع تعمل بكفاءة + صيانة مستمرة + سرعة استجابة للأعطال + خطة إحلال وتجديد عند انتهاء العمر الافتراضي.

أما أن ننتظر حتى يحدث الطفح ثم نتحرك، فهذا يعني أننا دائمًا نتحرك بعد وقوع المشكلة.

والأشد ألمًا.. عندما تصل المشكلة إلى المقابر

ربما أكثر الصور قسوة في أزمة الشموت هي ما ارتبط في السنوات الماضية بتجمعات المياه في منطقة المقابر.

فقد سبق أن نشرت وسائل الإعلام في 2022 شكاوى عن غرق أجزاء من مقابر الشموت بمياه الصرف، وما ترتب على ذلك من مخاوف لدى الأهالي بشأن حرمة الموتى.

وفي يوليو 2026، عادت مشكلة تجمع المياه في مقابر الشموت إلى الواجهة، وتحركت لجنة مشتركة من شركة المياه والوحدة المحلية لمعاينة الموقع. وأفادت المعاينة الرسمية المنشورة آنذاك بأن الشبكات الرئيسية المحيطة بالمقابر كانت سليمة، بينما تم رصد تسريبات من بعض التوصيلات الداخلية، بينها وصلة مياه خاصة بأحد المنازل، وتم إصلاح التسريب وسحب المياه المجمعه.

وهنا لابد من التفريق بين أمرين:

أن يكون سبب تجمع المياه في واقعة معينة تسريبًا من وصلة منزلية، فهذا لا يلغي القضية الأكبر المتعلقة بحالة منظومة الصرف في القرية ككل.

بل إن تعدد أسباب تجمع المياه يجعل الأمر أكثر احتياجًا إلى فحص هندسي شامل للمنطقة وليس مجرد التعامل مع كل واقعة منفردة.

أهل الشموت لا يريدون شماعات.. يريدون مسؤولًا عن الحل

وهنا أقولها بوضوح:

ليس المطلوب أن نتبادل الاتهامات.

وليس المطلوب أن نقول إن هذا المسؤول هو السبب أو أن ذاك المسؤول هو السبب.

المطلوب هو شيء واحد:

من المسؤول عن تنفيذ الحل؟

ومن المسؤول عن متابعة التنفيذ؟

ومتى يبدأ؟

ومتى ينتهي؟

وما التكلفة؟

وما مراحل المشروع؟

وما المناطق التي ستدخل الخدمة أولًا؟

هذه الأسئلة ليست هجومًا على أحد.

بل هي حق أصيل للمواطن.

فإذا كان هناك مشروع إحلال وتجديد لشبكات الصرف الصحي بالشموت وجزيرة الشموت، كما أُعلن في ديسمبر 2025، فمن حق الأهالي أن يعرفوا أين وصلت الدراسات والإجراءات، وما الجدول الزمني الفعلي للتنفيذ.

الشموت قرية كبيرة.. فلا يصح أن تدار بمنطق قرية صغيرة

من الأسباب التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند دراسة الأزمة أن الاحتياجات الحالية ليست هي الاحتياجات التي كانت موجودة عند إنشاء الشبكة القديمة.

القرية تغيرت.

العمران تغير.

عدد السكان تغير.

حجم الاستهلاك تغير.

الامتدادات السكنية تغيرت.

ومن الطبيعي أن تتغير معها احتياجات البنية الأساسية.

ولهذا فإن السؤال الهندسي الحقيقي ليس:

كيف نسلك الخط عندما ينسد؟

وإنما:

هل الشبكة الحالية أصلًا قادرة على استيعاب احتياجات الشموت الحالية والمستقبلية؟

وهذا سؤال لا تجيب عنه سيارة كسح.

ولا تجيب عنه عملية تسليك.

ولا تجيب عنه إصلاحات جزئية.

الإجابة تحتاج إلى دراسة هندسية شاملة.

لا نريد مشروعًا على الورق

أحيانًا تكون المشكلة ليست في عدم وجود قرار.

قد يكون هناك قرار.

وقد تكون هناك دراسة.

وقد تكون هناك معاينة.

وقد تكون هناك لجنة.

وقد تكون هناك وعود.

لكن المواطن في النهاية لا يريد أن يرى كل ذلك في الأوراق فقط.

المواطن يريد أن يرى الشبكة وقد تم إصلاحها.

يريد أن يمشي في الشارع دون أن يخشى مياه الصرف.

يريد أن يدخل منزله مطمئنًا.

يريد أن يدفن موتاه وهو مطمئن على حرمة المقابر.

يريد أن يعرف أن ما تدفعه الدولة من أموال في مشروعات البنية الأساسية يتحول إلى خدمة حقيقية على الأرض.

الشموت تستحق أن تكون على خريطة الأولويات

وأنا هنا لا أطالب بامتياز خاص للشموت.

بل أطالب بأن تحصل الشموت على حقها الطبيعي.

فالدولة عندما تخطط لمشروعات البنية الأساسية، يجب أن تنظر إلى حجم الاحتياج وعدد المستفيدين وحالة الشبكات والعمر الافتراضي ومعدل الأعطال والأضرار الناتجة عن استمرار الوضع الحالي.

والشموت، بما لديها من مشكلة متكررة ومعلنة منذ سنوات، تحتاج إلى أن تكون محل اهتمام حقيقي.

ووجود محطة صرف صحي في الشموت نفسها لا يعني بالضرورة أن مشكلة الشبكات الداخلية قد انتهت؛ فالمشكلة قد تكون في خطوط التجميع أو التوصيلات أو الطاقة الاستيعابية أو حالة أجزاء من الشبكة.

محطة الصرف الصحي بالشموت موجودة بالفعل داخل القرية، ولذلك فإن القضية الأساسية التي تحتاج إلى حسم هندسي هي كفاءة المنظومة ككل، وليس مجرد وجود محطة من عدمه.

مطلوب لجنة هندسية.. وليس مجرد لجنة معاينة

ومن وجهة نظري، فإن التعامل الجاد مع أزمة الشموت يحتاج إلى لجنة هندسية متخصصة تقوم بعمل شامل، وليس مجرد الانتقال إلى مكان تجمع المياه بعد حدوث الشكوى.

هذه اللجنة يجب أن تراجع:

حالة الشبكات القديمة.

أقطار المواسير الحالية.

الطاقة الاستيعابية للشبكة.

معدلات التصرفات الحالية والمتوقعة.

خطوط الطرد والانحدار.

محطات الرفع.

أماكن الاختناقات المتكررة.

المناطق الأكثر تعرضًا للطفح.

التوصيلات المنزلية.

المقابر والمناطق المنخفضة.

التوسعات العمرانية التي حدثت خلال السنوات الماضية.

احتياجات القرية المستقبلية.

ثم تخرج بتقرير واضح:

ما الذي يحتاج إلى إصلاح؟

وما الذي يحتاج إلى إحلال؟

وما الذي يحتاج إلى توسعة؟

وما التكلفة؟

وما الجدول الزمني؟

لا تجعلوا المواطن يدفع ثمن التأخير

المواطن البسيط ليس طرفًا في أي تأخير إداري.

وليس من العدل أن يتحمل المواطن نتائج تقادم شبكة أو تأخر مشروع أو عدم كفاية إمكانات.

هو يدفع ما عليه من التزامات، ومن حقه أن يحصل على خدمة تليق بآدميته.

والأخطر أن استمرار المشكلة يجعل المواطن يدفع مرتين:

مرة من خلال ما يتحمله من أعباء ومصاريف شخصية للتعامل مع الأزمة.

ومرة أخرى من خلال الضرر الذي يصيب منزله وشارعه وبيئته.

رسالة إلى المسؤولين

رسالتي هنا ليست هجومًا على أحد.

بل على العكس، هي دعوة إلى تحويل الاهتمام إلى إنجاز.

لقد شهدت الشموت تحركات ميدانية بالفعل، واستمع مسؤولون إلى شكاوى الأهالي، كما تم الإعلان عن العمل على الدراسات والإجراءات الخاصة بإحلال وتجديد الشبكات.

وهذا أمر إيجابي ينبغي البناء عليه.

لكن الأهالي ينتظرون الخطوة التالية:

التنفيذ.

فالمواطن لا يستطيع أن يعيش على خبر جولة ميدانية.

ولا يستطيع أن يعيش على وعد بدراسة.

ولا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية.

ورسالة إلى أهالي الشموت

أقول لأهلي في الشموت:

طالبوا بحقكم، ولكن حافظوا على أسلوب المطالبة المحترم.

لا تجعلوا المشكلة تتحول إلى خلافات شخصية.

ولا تسمحوا لأحد بأن يحول قضية الصرف الصحي إلى تصفية حسابات.

القضية أكبر من الأشخاص.

القضية تخص قرية بأكملها.

والهدف ليس إسقاط مسؤول أو مهاجمة موظف.

الهدف أن تدخل الشموت مرحلة جديدة يكون فيها الصرف الصحي خدمة مستقرة وليست أزمة متكررة.

الشموت لا تريد المستحيل

أهل الشموت لا يريدون أكثر من حقهم.

يريدون:

شارعًا نظيفًا.

منزلًا آمنًا.

شبكة صرف تعمل بكفاءة.

مقابر مصونة من المياه.

خدمة لا تتوقف عند أول عطل.

وخطة معلنة لإنهاء المشكلة من جذورها.

وهذا ليس مطلبًا سياسيًا ولا رفاهية.

هذا حق إنساني وخدمي أساسي.

وأخيرًا.. السؤال الذي ينتظر الأهالي إجابته

بعد كل ما حدث خلال السنوات الماضية…

وبعد تكرار شكاوى الطفح…

وبعد ما شهدته بعض المناطق، ومنها المقابر، من تجمعات مياه…

وبعد الجولة الميدانية التي تمت في ديسمبر 2025 والإعلان عن استعجال الدراسات والإجراءات الخاصة بإحلال وتجديد شبكات الشموت وجزيرة الشموت.

يبقى السؤال:

متى يتحول مشروع إحلال وتجديد شبكة الصرف الصحي بالشموت من الدراسات والإجراءات إلى واقع يراه المواطن على الأرض؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن تكون له إجابة واضحة.

ليس غدًا.

وليس بعد سنوات.

فالشموت انتظرت طويلًا.

والصرف الصحي ليس رفاهية.

والصحة ليست رفاهية.

وكرامة المواطن ليست رفاهية.

وحرمة الموتى ليست رفاهية.

وإذا كانت الدولة قد وضعت يدها بالفعل على المشكلة، فالخطوة الطبيعية الآن هي أن تستكمل الطريق حتى النهاية:

دراسة.. ثم قرار.. ثم تمويل.. ثم تنفيذ.. ثم تشغيل.. ثم متابعة.

أما أن تظل القرية تنتقل من طفح إلى كسح، ومن انسداد إلى تسليك، ومن شكوى إلى معاينة، ومن معاينة إلى لجنة، فذلك يعني أننا نعالج أعراض المشكلة بينما أصل المشكلة ينتظر.

الشموت تستحق حلًا جذريًا.. لا مسكنًا مؤقتًا.

زر الذهاب إلى الأعلى