أدب وثقافةقصص قصيرة

الرحيل. قصة قصيرة بقلم / نصر الله عويمرات

الرحيل

 

بقلم / نصر الله عويمرات

قبل عشرين عامًا… أي عندما كنت في الرابعة من عمري… سألت والدي سؤالًا ما زلت أتذكره… قلت لوالدي: أرى الشمس تغيب خلف ذلك الجبل.. ألها بيت مثلنا؟

أطرق والدي قليلًا قبل أن يجيب… شعرت أنني أرهقته بسؤالي.. ذلك أني رأيت دمعتين تنحدران من عينيه… التفت نحوي وقال: عندما يكون لنا بيت يكون للشمس بيت…

منذ ذلك السؤال أصبحت الشمس صديقتي… أرقب شروقها كل صباح… وأودعها حينما تتوارى… شيء جواني يشعرني بأنها لأجل لا تريد أن تغيب…

بيوتنا الهاجعة خلف الجبل تلمح إلى رحيل قادم… ذلك أن السيل العرم لا يرحم والغيوم بدت تحشد قواهامنذرة بشتاء قاسٍ….

كل من حولنا اقتلع أوتاد خيمته ورحل… سوى والدي والحاج سالم وابنته الوحيدة عائشة… ماتت أمها قبل خمس سنين… يومها بكيت بحرارة وبكيت لبكائها… تكبرني بعامين… جميلة… تشدني حينما تلفظ حروف اسمي.. ن … ص … ر….

أظل طول اليوم ألهو وعائشة قرب المرعى… نجمع سنابل القمح ونجري نحو النبعة القريبة من بيوتنا… نرشق بعضنا بقطرات من الماء نضحك… نتعارك بود… نَتسابق… ثم إذا اقترب المساء نعود لبيوتنا هاجعين…

كانت طقوس المساء أكثر سحرًا وقربًا من الروح… يوقد أبي النار ويتحلق السهارى حولها… كانت حكاياتهم جميلة وضحكاتهم معتقة… يجلس الحاج سالم قبالة والدي يحدثه عن بلادنا والهجرة والسنين العاتيات بينما أجلس وعائشة في خباء أمي… نستمتع ونلعب ونستمع لتلك الحكايات التي يسردها سالم والحاضرون… تضع أمي طبقًا من الطعام بيننا فنظل نأكل حتى نشبع… كنت أقول يا رب أطل هذا الليل لنبقى سوىً… أعشق النجوم وأعدها… واحدة.. اثنتين… ثلاثة… تقاطعني عائشة قائلة: النجوم لك والقمر لي وحدي… هكذا تقول أمي قبل موتها… أنت قمر يا ابنتي… أوافق على قسمتها وتستمر هي بعدد نجومي , فأوكزها ضاحكًا: هي هيا ألم نتفق…؟

هكذا نمضي ليلنا نستمع للحكايات بشغف وفي الصباح نلهو سويا مع أغنامنا قرب البيوت…

أمضينا وقتًا جميلًا ننسج من أحلامنا شعاعًا للحب والأمل والحياة… حتى جاء ذلك اليوم… كنت وقتها أجلب لأمي الحطب كي تهيئ لنا الطعام وكان أبي والحاج سالم يتحادثان… سمعته يقول لوالدي: غدًا أرحل وابنتي إلى مكان أكثر أمنًا لنا ولأغنامنا فالسيل لا يرحم وأخشى أن يجرفنا… قاطعه والدي قائلًا: لو غيرنا بيوتنا إلى مكان أعلى قليلًا سنتفادى السيل ولا حاجة لنا بالرحيل… رد الحاج سالم: بل سأرحل هناك أو جاءت عدائي منه وأخشى على عائشة لو حدث لي شيء… استمعت لهذا الحديث الذي يشبه الصاعقة… لم أكد أصدق أنني سأبقى وحيدًا دونها ولماذا يريد السيل أن يحرق فرحي ويغرق بهجتي… ماذا فعلت له… لا أريد أن أأبقى هنا بعدها… كان حوارها أشد مرارة من العلقم… كرهت الحاج سالم وكرهت الرحيل وكرهت السيل…

هذا المساء لم تأت عائشة… من يعد النجوم معي… من يأكل طبق الطعام معي… من من.. أسئلة تحرق فرحي وبهجتي… أطلقت ساقي للريح وتوجهت نحو التلة القريبة أستجدي الغيوم أن ترحل… رجوتها كثيرًا… أقسمت عليها أن ترحل وتدعني وشأني.. سال دمعي وعيني صوب الغيوم…

وفي الصباح كان ظعن عائشة يمشي الهوينا أمام عيني… كنت أراقب ظعنهم ممسكًا بثوب أمي متواريًا خلفها أخفي دموعي…

رحلت عائشة…. ورحلت الغيوم… بينما داهمتني سيول الوجع فأغرقتني …

زر الذهاب إلى الأعلى