الشبح
كنت كبيرة بما يكفي، لألبي بعض طلبات أمي كمساعدتها في طي الغسيل، أو ترتيب طاولة الغداء، وأعمال صغيرة بيتية.
ذاك المساء كان مختلفاً، تأخر أبي عن موعد الغداء كثيرا وعندما عاد، لم يكن طبيعياً أبدا.
تعاطفت مع أمي التي امتصت غضبه، بالصمت، وشعرنا نحن الأولاد، بالخوف، فنحن لم نرَ أبانا بهذه الثورة من الغضب، التي جعلته يفقد السيطرة على نفسه أمامنا ويقلب طاولة الطعام بما فيها، على الأرض،لمجرد نسيان أمي وضع إبريق الماء على الطاولة.
وقفنا صامتين ننتظر أن تهدأ هذه الشرارة التي كهربت البيت، وعكرت صفوه.
بصوت خفيض همست أمي: اذهبي إلى عمتك وهاتي ما عندها من البيض للعشاء، كان الوقت أول المساء، لا أظنها انتبهت للتوقيت، لكنني لم أرفض طلبها، وانطلقت إلى بيت عمتي التي يبعد عن بيتنا حوالي مئة متر، سأقطع بستان الليمون كله لأصل بيتها.
ظلال الشجيرات يحْيي في رأسي كل قصص الرعب الذي سمعتها من أمي وجدتي، التي بدأت تلوح برأسها عند كل حركة مني، حتى باتت خطواتي اللجوجة، تنهب الطريق نهبا.
استطال الطريق على الرغْم من قصره، وتعبت وأنا أجري متلفتة عند كل ارتعاشة غصن، أو صوت صر صار، يقطع صمت المساء حتى وصلت منهكة من الخوف.
تفاجأت عمتي بي، واستغربت كيف ترسلني أمي في هذا الوقت من المساء، فأعطتني بيضتين فقط، وقالت “ما عندي غيرهم عمتي” تعالي أوصلك إلى البيت، على فزعي أبيت أن أشعرها بخوفي، وقلت لها سأركض لأصل بسرعة، أمي تنتظرني.
وضعت كل بيضة بيد، وعدت بنفس الطريق، والمخاوف تتصاعد والأشباح تكبر في رأسي الصغير.
عندما وصلت منتصف بستان الليمون تراجعت مخاوفي وقلت الحمد لله، أبطأت من خطواتي قليلا وبدأت أتنفس براحة، وإذ بي أرى أمامي وعلى بعد أمتار من البيت ظلاً أسوداً كبيراً، بجانب الطريق ولامجال لي لتفادي المرور من أمامه.
عقلي توقف تماماً عن العمل، الرجوع رحلة في المجهول، والتقدم خطر الموت، أتقدم ببطئ وكأنني أمشي على حبل مشدود وتحته الهاوية، لتقترب المسافة ما بيننا شيئا فشيئا، لحظة سمعت صوته، تحطم شيئ في داخلي، صرخت بصوت لا أظنني سمعته، وركضت، أتخطاه بسرعة البرق، لأصل حضن أمي، التي ركضت خائفة، تحتضنني.
شعرت بالحر، والبرد معاً، يداي مطبقتان على البيض، ورجليّ خائرتان، وأنا أهذي، بكلمات غير مفهومة.
في الصباح فتحت عيني فوجدت أبي وأمي بجانبي، يبدو كانت ليلتي سيئة، مليئة بالكوابيس والأحلام المزعجة.
لم يكن الظل سوى أبي الذي تعود أن يجلس وحيداً كلما خانته الحياة، جلس يهدئ من روعه آسفاً لفقدان سيطرته على نفسه، فالحمل ثقيل عليه ونحن نكبر أمام عينيه، يرانا بحاجة لكل شيء وما بيده شيء، يكتم في نفسه كثيرا، لكن يبدو يومها كان الحدث جلل، حتى فقد سيطرته على نفسه، وحصل ما حصل
تفاجأ بي، قادمة في العتمة، أراد أن يطمئنني، ولكن مخاوفي سدت أذنيّ عن صوت والدي الذي أعرفه.
لم يدرِ أبي بتصرف أمي التي حاولت إصلاح الموقف، دون حساب عواقبه، على صغيرة مثلي، لكان اعترض ومنعني من الذهاب ولكن سبق السيف العزل.
أثر الموقف عليه كثيرا، وكانت أول مرة أرى له دمعة.
تمت.
فريزة محمد سلمان/ سوريا








