مقالاتمنوعات

السيسى ..مياه النيل خط أحمر

السيسى ..مياه النيل خط أحمر

 

بقلم: حسين عبيد

كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي

«مصر هبة النيل».. مقولة ارتبطت بالمؤرخ اليوناني هيرودوت، لكنها في الحقيقة ليست مجرد عبارة تاريخية، وإنما تلخص علاقة ممتدة بين مصر ونهر النيل عبر آلاف السنين.

فالنيل بالنسبة لمصر ليس مجرد نهر، وإنما هو شريان الحياة، ومصدر أساسي للمياه والزراعة والغذاء والاستقرار، وعلى ضفافه قامت واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ.

ومنذ نشأة الدولة المصرية، ظل النيل حاضرًا في حياة المصريين، يجري من جنوب البلاد عند أسوان حتى دلتا النيل، حيث يتفرع إلى فرعي دمياط ورشيد قبل أن يصب في البحر المتوسط.

ولهذا فإن قضية مياه النيل بالنسبة لمصر ليست قضية اقتصادية فقط، وإنما هي قضية أمن قومي، ترتبط بحياة أكثر من مائة مليون مصري، وبمستقبل أجيال قادمة لا يمكن أن تتحمل نتائج أي خلل في منظومة الأمن المائي.

ومصر لا ترفض التنمية في أفريقيا، ولا تعارض حق الدول في استغلال مواردها الطبيعية، بل تؤمن بأن التنمية حق أصيل لكل الشعوب. لكن التنمية لا ينبغي أن تتم على حساب حياة شعوب أخرى، ولا يجوز أن يتحول الحق في التنمية إلى وسيلة للإضرار بدول المصب.

ومن هنا جاء الموقف المصري من سد النهضة الإثيوبي.

فعلى مدار سنوات طويلة، تعاملت مصر مع الملف بحكمة شديدة، وفضلت طريق التفاوض والحوار، وشاركت في العديد من الجولات والمبادرات والوساطات، سواء على المستوى الأفريقي أو الدولي، أملاً في الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يحقق مصالح جميع الأطراف.

لكن المشكلة لم تكن في حق إثيوبيا في التنمية، وإنما في غياب اتفاق واضح وملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، خاصة خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد، بما يضمن عدم إلحاق ضرر جسيم بدولتي المصب، مصر والسودان.

ومنذ الإعلان عن مشروع سد النهضة عام 2011، دخل الملف مرحلة شديدة التعقيد، وتعددت المفاوضات والتدخلات الدولية، وظهرت العديد من المبادرات الرامية إلى تقريب وجهات النظر، إلا أن الخلافات الأساسية ظلت قائمة.

وهنا يجب أن ندرك أن المياه ليست ملفًا يمكن التعامل معه بمنطق الشعارات أو التصريحات الإعلامية، وإنما هي قضية تحكمها قواعد القانون الدولي ومبادئ التعاون والانتفاع المنصف والمعقول بالموارد المائية المشتركة.

فالنهر الذي يجمع الشعوب ينبغي أن يكون وسيلة للتعاون وليس سببًا للصراع.

والأمر الأكثر خطورة هو محاولة تقديم القضية للرأي العام باعتبارها صراعًا بين دولة تريد التنمية ودولة تريد منع التنمية. فهذه ليست الحقيقة.

مصر تريد التنمية لإثيوبيا، وتريد أيضًا أن ترى أفريقيا قوية ومستقرة ومزدهرة، لكنها في الوقت نفسه تريد حماية حقها في الحياة والمياه.

أما بعض التصريحات الإعلامية التي تتحدث عن مياه النيل وكأنها سلعة يمكن بيعها أو المتاجرة فيها، فهي تصريحات تفتقر إلى المسؤولية، لأن مياه النيل بالنسبة للمصريين ليست مجرد مورد اقتصادي، وإنما قضية وجود وأمن قومي.

وقد جاءت رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحة في هذا الملف، حين أكد مرارًا أن الأمن المائي المصري قضية لا يمكن التهاون فيها، وأن الدولة المصرية حريصة على حماية حقوقها المائية.

القوة الحقيقية لا تعني البحث عن الصدام، وإنما تعني امتلاك القدرة على حماية الحقوق، مع استمرار استخدام أدوات الدبلوماسية والتفاوض والقانون.

إن مصر لا تريد حربًا على المياه، وإنما تريد اتفاقًا عادلًا يحفظ حقوق الجميع.

فالنيل يمكن أن يكون جسرًا للتعاون بين مصر والسودان وإثيوبيا، ويمكن لمشروعات التنمية أن تتحول إلى فرصة للتكامل الاقتصادي إذا توافرت الإرادة السياسية واحترمت كل دولة حقوق جيرانها.

لكن في المقابل، يجب أن تبقى الرسالة المصرية واضحة:

مياه النيل ليست رفاهية، وليست سلعة، وليست قضية قابلة للمساومة.

إنها شريان الحياة المصري، ولذلك ستظل مياه النيل خط مصر الأحمر.

حماية النيل ليست موقفًا ضد شعب أفريقي شقيق، وإنما دفاع عن حق مصر في الحياة والتنمية والاستقرار.

وفي النهاية، يبقى الحل الحقيقي في الحوار والاتفاق واحترام القانون الدولي، لأن مستقبل المنطقة لا يحتمل صراعًا على المياه، وإنما يحتاج إلى تعاون يصنع السلام والتنمية.

النيل لمصر حياة.. وحمايته مسؤولية وطنية، والتعاون حوله هو الطريق الأفضل لمستقبل شعوب حوض النيل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى