صدى مصرمقالاتمنوعات

في السادس من أكتوبر. يومٌ عبرت فيه مصر من المستحيل إلى الممكن..بقلم إسراء محمد

في السادس من أكتوبر.

يومٌ عبرت فيه مصر من المستحيل إلى الممكن..

 

بقلم إسراء محمد

هناك أيام تمرّ على تقويم الزمن، وأيام تمرّ على قلب الوطن فلا تغادره أبدًا.

والسادس من أكتوبر ليس مجرد تاريخٍ نضعه في الذاكرة كل عام، ولا مناسبةً تنتهي بانتهاء الاحتفال، وإنما هو يومٌ تغيّر فيه معنى المستحيل، وتحولت فيه الهزيمة من جرحٍ مفتوح إلى درسٍ في الإرادة، وتحول الانتظار إلى فعل، والحلم إلى حقيقة.

في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تبدأ مصر معركةً عسكرية فحسب، بل بدأت فصلًا جديدًا في تاريخها. فصلًا كان عنوانه الأبرز أن الوطن الذي يتعرض للانكسار يستطيع أن يعيد بناء نفسه، وأن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تملك وحدها حق كتابة النهاية.

كانت سنوات ما بعد يونيو 1967 ثقيلة على مصر وشعبها. فقد تركت الهزيمة جرحًا عميقًا في الوجدان، وأصبح استرداد الأرض والكرامة هدفًا لا يحتمل التأجيل. لكن مصر لم تتعامل مع الهزيمة باعتبارها قدرًا أبديًا، وإنما باعتبارها لحظة يجب أن تُفهم أسبابها، ويُعاد بعدها ترتيب الصفوف.

ومن هنا بدأت رحلة طويلة لم يكن يعرف تفاصيلها معظم الناس، لكنها كانت تمهّد لذلك اليوم الذي سيظل حاضرًا في الذاكرة المصرية.

جاءت حرب الاستنزاف، وأعيد تنظيم القوات المسلحة، وتواصل التدريب والتخطيط، وبُنيت القدرة العسكرية تدريجيًا. كانت هناك سنوات من العمل الشاق والصبر والاستعداد، لأن المعارك الكبرى لا تبدأ حين تُطلق أول قذيفة، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل غرف التخطيط، وفي ميادين التدريب، وفي عقول الرجال الذين يعرفون أن لحظة الحسم تحتاج إلى استعداد لا يراه أحد.

ثم جاء السادس من أكتوبر.

في ذلك اليوم، وفي توقيتٍ دقيق، بدأت القوات المسلحة المصرية عبور قناة السويس، وبدأت معها عملية عسكرية أصبحت واحدة من أبرز محطات التاريخ المصري الحديث. لم يكن العبور مجرد انتقال من ضفة إلى ضفة، بل كان انتقالًا من واقع فرضته الهزيمة إلى واقع تصنعه الإرادة.

وكان خط بارليف، الذي ارتبط في الوعي العام بصورة الحاجز شديد التحصين، أحد التحديات التي واجهها المصريون في بداية العبور. وبالتخطيط والابتكار والاستفادة من الإمكانات المتاحة، تمكنت القوات المصرية من فتح الثغرات في الساتر الترابي باستخدام مضخات المياه، وبدأت القوات في عبور القناة وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية.

لكن قيمة المشهد لم تكن في المعدات وحدها.

كانت في الإنسان الذي وقف أمام كل ذلك وهو يعرف أن خلفه وطنًا ينتظر، وأن أمامه مهمةً لا تحتمل التراجع.

فالحروب لا تصنعها الأسلحة وحدها؛ تصنعها العقول التي تخطط، والقيادات التي تتحمل المسؤولية، والجنود الذين ينفذون، والشعوب التي تقف خلف أبنائها في أصعب اللحظات.

ولهذا فإن أكتوبر لم يكن حكاية جندي يحمل بندقيته فقط، وإنما حكاية وطن كامل.

حكاية أمٍ ودّعت ابنها وهي تحاول أن تخفي خوفها، وأبٍ ظل يتابع الأخبار وقلبه معلق بما يحدث على الجبهة، وزوجةٍ كانت تعرف أن انتظارها قد يطول، وأسرةٍ كاملة كانت تعيش بين الدعاء والقلق والأمل. هؤلاء الذين لم يحملوا السلاح كانوا جزءًا من المعركة بطريقتهم، لأن الوطن في لحظات الخطر يتحول إلى بيتٍ واحد، ويصبح ألم الفرد جزءًا من ألم الجماعة، وفرحته جزءًا من فرحتها.

وربما لهذا بقي أكتوبر مختلفًا عن كثير من الأحداث في الذاكرة المصرية. لأنه لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان استعادةً لشيء أعمق: الثقة.

الثقة في أن ما حدث بالأمس ليس بالضرورة ما سيحدث غدًا، وأن الإنسان يستطيع أن يراجع أخطاءه، ويعيد بناء قوته، ثم يعود إلى المواجهة بعقل أكثر خبرة وإرادة أكثر صلابة.

وهنا تظهر إحدى أهم رسائل أكتوبر؛ أن الهزيمة لا تصبح نهاية إلا عندما نقرر نحن أن نتعامل معها باعتبارها نهاية.

أما إذا نظرنا إليها باعتبارها درسًا، فإنها يمكن أن تكون بداية.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل أكتوبر قادرًا على مخاطبة الأجيال التي لم تعش الحرب، ولم تسمع أصوات المدافع، ولم تر الجنود وهم يعبرون القناة. فهذه الأجيال تستطيع أن تجد في أكتوبر معنى يتجاوز حدود المعركة نفسها.

فكل إنسان يواجه في حياته جدارًا يظنه لا يُكسر، وكل شاب يتعثر في طريقه، وكل أسرة تمر بأزمة، وكل شخص يعتقد أن فرصةً ما انتهت إلى الأبد، يمكنه أن يتوقف أمام تجربة أكتوبر ويسأل نفسه: هل المستحيل حقيقة، أم أنه أحيانًا مجرد اسم نطلقه على الشيء قبل أن نحاول؟

لقد علّمنا أكتوبر أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالأمنيات وحدها. فالنصر الذي نحتفل به اليوم كان وراءه إعداد طويل، وتخطيط دقيق، وتدريب مستمر، وصبر على الطريق، وتضحيات لا يمكن اختصارها في مشهد واحد.

وهذه ربما تكون الرسالة التي نحتاج إلى تذكرها أكثر من غيرها في كل ذكرى للنصر.

أن النتائج التي نراها في لحظة قد تكون وراءها سنوات لا يراها أحد.

فالنجاح لا يولد فجأة، والقوة لا تُكتسب في اللحظة التي نحتاج إليها فيها، وإنما تُبنى قبلها بوقت طويل. والإنسان الذي يريد أن يحقق شيئًا كبيرًا في حياته، عليه أن يتعلم من أكتوبر أن الاستعداد جزء من النصر، وأن الصبر ليس وقتًا ضائعًا، وأن الطريق الطويل لا يعني أن الوصول مستحيل.

ومن هنا لا يصبح الاحتفال بأكتوبر مجرد عودة إلى الماضي، وإنما فرصة للنظر إلى الحاضر أيضًا.

فإذا كان أبطال أكتوبر قد واجهوا تحديًا عسكريًا هائلًا، فإن أجيال اليوم أمامها تحديات أخرى تحتاج إلى الروح نفسها تحديات العلم والعمل والإنتاج والوعي، وتحديات بناء الإنسان، وحماية المجتمع من اليأس والفوضى والشائعات، والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص للتعلم والتطور.

فالدفاع عن الوطن لا يقتصر على حمل السلاح، كما أن بناءه لا يقتصر على مؤسسة واحدة. لكل إنسان موقعه في معركة البناء؛ الطالب بعلمه، والعامل بإتقانه، والطبيب بضميره، والمعلم برسالته، والكاتب بكلمته، وكل مواطن حين يؤدي مسؤوليته كما ينبغي.

ولهذا فإن الوفاء لأبطال أكتوبر لا يكون بالكلمات وحدها، مهما كانت جميلة، وإنما بأن نأخذ من تجربتهم ما يصلح لحياتنا: الانضباط، والإخلاص، والعمل، وتحمل المسؤولية، وعدم الاستسلام أمام أول عقبة.

لقد عبر المصريون قناة السويس لأنهم لم يسمحوا للخوف بأن يكون صاحب القرار، ولم يتركوا الهزيمة تحدد مستقبلهم.

وهذا هو الدرس الذي يبقى بعد أن تهدأ الاحتفالات.

أن الإنسان قد لا يستطيع اختيار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار كيف يواجهه. وقد لا يستطيع أن يمنع سقوطه في كل مرة، لكنه يستطيع أن يقرر إن كان سيبقى على الأرض أم سيحاول النهوض من جديد.

إن السادس من أكتوبر لم يكن يومًا عاديًا في التاريخ المصري، لأنه أثبت أن الإرادة حين تجتمع مع العلم والتخطيط والتضحية تستطيع أن تغيّر معادلات تبدو ثابتة.

ولهذا ستظل صورة العبور حاضرة في وجدان مصر؛ ليس لأنها تذكّرنا بانتصار مضى، وإنما لأنها تذكّرنا بقدرة هذا الوطن على النهوض كلما ظن البعض أن الطريق قد أُغلق.

وفي كل عام، حين يأتي السادس من أكتوبر، لا ينبغي أن نتذكر فقط من عبروا القناة، بل أن نتذكر أيضًا لماذا عبروا، وماذا كان يعني لهم أن يستعيدوا الأرض والكرامة، وأن نعرف أن التاريخ لا يُصنع بالأماني، وإنما بالعمل الذي يسبق اللحظة الفارقة.

وربما لهذا يظل السؤال الأجمل الذي يمكن أن نخرج به من ذكرى أكتوبر ليس: كيف انتصروا فقط؟ وإنما: ماذا تعلمنا نحن من انتصارهم؟

تعلمنا أن المستحيل قد يكون مجرد بابٍ مغلق ينتظر من يملك الشجاعة ليطرقه.

وتعلمنا أن الوطن حين يثق في أبنائه، وحين يثق أبناؤه في قدرتهم على النهوض، يصبح الطريق مهما طال قابلًا للعبور.

وتعلمنا أن بعض الانتصارات لا تنتهي بانتهاء المعركة، لأنها تتحول إلى فكرة تعيش في الأجيال.

وهكذا سيظل السادس من أكتوبر أكثر من تاريخ في كتاب، وأكثر من ذكرى على جدار الزمن. سيظل يومًا عبرت فيه مصر من ضفة الهزيمة إلى ضفة الأمل، ومن الخوف إلى المواجهة، ومن سؤال هل نستطيع؟ إلى إجابة كتبتها الأفعال قبل الكلمات.

وفي كل مرة نحتاج فيها إلى تذكّر أن المستحيل ليس نهاية الطريق، يكفينا أن ننظر إلى السادس من أكتوبر، ونتذكر أن وطنًا كاملًا قرر ذات يوم ألا يقبل الهزيمة قدرًا، فبدأ الاستعداد، وخاض الطريق، وعبر.

وإذا كان الذين سبقونا قد استطاعوا أن يعبروا المستحيل في السادس من أكتوبر، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نصنع عبورنا نحن؛ بالعلم حين يكون الجهل عائقًا، وبالعمل حين يكون الكسل عدوًا، وبالوعي حين تحاصرنا الشائعات، وبالأمل حين يبدو المستقبل بعيدًا.

فالأوطان لا تُبنى في يوم واحد، والانتصارات الحقيقية لا تولد في لحظة واحدة.

لكنها تبدأ دائمًا بخطوة.

وقد بدأت مصر خطوتها في السادس من أكتوبر، فصنعت يومًا لم يعد مجرد ذكرى، وإنما أصبح درسًا خالدًا في معنى أن تؤمن بوطنك، وتؤمن بقدرتك، ثم تبدأ العبور.

زر الذهاب إلى الأعلى