الإسكندرية بين ذاكرة المباني وواجب الانقاذ
بقلم : أ /هبة شاهين -الإسكندرية
ما أحزنني في مدينتنا لم يعد مقتصرًا على تراجع جمال مبانيها التاريخية، بل امتد إلى مشهد أكثر إلحاحًا وخطورة: مبانٍ سكنية لم يمضِ على إنشائها عشرون عامًا، بدأت تميل أو تظهر عليها علامات خلل، فيما يعيش سكانها قلقًا يوميًا من مصير بيوتهم.
حين يميل مبنى سكني، لا تكون المشكلة في مظهره وحده؛ فهناك أسر قد تجد نفسها مضطرة إلى إخلاء منزلها، وأطفال يُنتزعون من استقرارهم، وأهالٍ يواجهون خسارة مأواهم وممتلكاتهم. ثم تبدأ رحلة البحث عن بديل، بينما تبقى أسئلة مؤلمة بلا إجابات: كيف وصل المبنى إلى هذه الحالة؟ وهل كان الخلل قابلًا للاكتشاف مبكرًا؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية السكان وتعويض المتضررين؟
وتتضاعف الأزمة حين تصبح المحافظة أو الأحياء أمام عبء تكلفة تأمين المبنى أو هدمه، فضلًا عن التعامل مع الأنقاض وتأمين محيطه. وهكذا تتحول المشكلة من خلل هندسي في مبنى واحد إلى أزمة اجتماعية وخدمية ومالية تمس السكان والجهات المحلية والمدينة بأكملها.
العمر وحده لا يكفي للحكم
إن ظهور الميل أو التصدعات في مبنى حديث نسبيًا يستدعي فحصًا فنيًا جادًا، لا الاكتفاء بالتقدير أو التخمين. فحالة كل مبنى تختلف، وقد ترتبط أسباب الخلل بعوامل متعددة، مثل طبيعة التربة، أو المياه الجوفية، أو أعمال البناء، أو تعديلات أُجريت لاحقًا، أو مشكلات في الأساسات. لذلك ينبغي أن يصدر القرار بشأن الإخلاء أو التدعيم أو الهدم عن تقييم هندسي موثق يراعي سلامة السكان وحقوقهم.
ولا يعني ذلك التقليل من خطورة المباني المهددة؛ فسلامة الأرواح أولوية لا تقبل التأجيل. لكنه يعني أيضًا أن الإجراءات يجب أن تكون واضحة وسريعة وعادلة، وأن يُشرح للسكان سبب القرار والخطوات التالية، بدل تركهم في دوامة من الخوف والغموض.
الوقاية أقل كلفة من الهدم
من الضروري الانتقال من التعامل مع المبنى بعد أن يصبح خطرًا إلى رصد المخاطر قبل تفاقمها. ويبدأ ذلك بحصر المباني السكنية التي ظهرت عليها علامات ميل أو تشققات، وإجراء معاينات فنية دورية للمناطق الأكثر عرضة للمشكلات، وإنشاء سجل موحد يوضح حالة المبنى والإجراءات المتخذة بشأنه.
كما ينبغي تفعيل الرقابة على أعمال البناء والتعديلات اللاحقة، والتحقق من الالتزام بالمواصفات الفنية، ومحاسبة المقصرين وفق نتائج التحقيقات. فالمحاسبة لا تعيد الاستقرار إلى السكان وحدها، لكنها ضرورية لمنع تكرار الأخطاء، ولضمان ألا تُترك المسؤولية مبهمة بين جهات متعددة.
مقترح: «مسار آمن للمباني والسكان»
يمكن إنشاء مسار موحد للتعامل مع المباني السكنية المائلة، تشارك فيه المحافظة والأحياء والجهات الهندسية المختصة، ويشمل:
– بلاغًا مركزيًا واضحًا يستقبل شكاوى السكان بشأن الميل والتصدعات.
– فحصًا فنيًا عاجلًا وتقريرًا مكتوبًا يوضح درجة الخطورة والخيارات المتاحة.
– خطة زمنية معلنة للإخلاء أو التدعيم أو الهدم، بحسب الحالة.
– إيواءً مؤقتًا ومساندةً اجتماعية للأسر التي يُطلب منها مغادرة منازلها.
– تحديد المسؤوليات والتكاليف بعد التحقيق الفني والقانوني، بدل تحميل السكان أو الأحياء الأعباء بصورة تلقائية.
– متابعةً بعد التنفيذ للتأكد من سلامة المباني المجاورة وعدم انتقال الخطر إليها.
ويُستحسن أن يتضمن هذا المسار نافذة خدمة واحدة يستطيع السكان من خلالها معرفة حالة البلاغ، والجهة المسؤولة عن متابعته، وموعد الفحص، وما يترتب على التقييم. فوضوح الإجراءات لا يقل أهمية عن سرعة اتخاذها؛ لأنه يمنح الناس فرصة لفهم ما يحدث والاستعداد له.
السكان ليسوا أرقامًا في تقرير
حين يُطلب من أسرة إخلاء بيتها، لا يكفي إصدار قرار ثم تركها تواجه مصيرها. يجب أن ترافق إجراءات السلامة خطة إنسانية تراعي احتياجات السكان، وتضمن تواصلًا مباشرًا معهم، وتوضح لهم حقوقهم وخياراتهم. فحماية الأرواح لا تنفصل عن حماية كرامة الناس واستقرارهم.
كما أن معالجة المباني المائلة لا ينبغي أن تظل مجرد استجابة طارئة عند ظهور الخطر، بل يجب أن تكون جزءًا من سياسة وقائية مستمرة تشمل الرقابة والصيانة والتوثيق والمساءلة. فالمدينة التي تكتشف المشكلة مبكرًا تستطيع تقليل الخسائر، وتخفيف العبء عن مؤسساتها، ومنع تحول الخلل إلى أزمة تهدد أحياء كاملة.
إن المباني السكنية ليست جدرانًا وأساسات فقط؛ إنها بيوت وذكريات وأمان يومي. ومن حق السكان أن يعيشوا في مساكن آمنة، ومن واجب الجهات المعنية أن تتحرك بجدية وشفافية قبل أن يتسع الخطر. فكل مبنى يُفحص في الوقت المناسب قد يعني أسرةً لا تُشرَّد، وكلفةً لا تتحملها المدينة، وأرواحًا تُصان.








