استجلاب نصر الله تعالى
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لما حاصر المسلمون حصنا في إحدى غزواتهم فإستعصى عليهم، وكثر الأذى فيهم بسبب رمي النصارى لهم، حتى قال مسلمة بن عبد الملك من يدخل النقب، وهو فتحة ضيقة تحت الحصن تجري فيه المياة فإن كتبت له الشهادة فاز بالجنة، وإن كتبت له النجاة ذهب لباب الحصن ففتحه؟
فخرج رجل ملثم قال أنا من سيدخل النقب، فدخل وكبر وقاتل وفتح باب الحصن وهجم المسلمون بعد ذلك على الحصن وإنتصر المسلمون على يد ذلك الرجل الذي لم يعرف، فأراد مسلمة أن يعرفه ليكافئه، فنادى في جيش المسلمين بعد المعركة أين صاحب النقب؟ فلم يجبه أحد، فعاد الكرة فلم يجبه أحد، فقال في النهاية إني أمرت حاجبي بإدخاله عليّ حين يأتي، فعزمت عليه بما لي عليه من الحق أي الطاعة في الإمرة، فجاء رجل ذات ليلة إلى حاجب مسلمة، فقال إستأذن لي على الأمير، قال أنت صاحب النقب؟ قال أنا أخبركم عنه، فلما صار بين يدي مسلمة قال إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثا ألا تبعثوا أحد وراءه، وألا تسألوه عن اسمه، وألا تأمروا له بشيء، قال مسلمة فذلك له، فقال الرجل بإستحياء أنا صاحب النقب أيها القائد، ثم إنطلق مسرعا فلم يدر من هو.
فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا دعا فيها اللهم احشرني مع صاحب النقب يوم القيامة، وإنه ما ذل عبد لله تعالى إلا إزداد بتمام الذلة رفعة وعلوا، وما استنكف أحد عن التذلل لله تعالى واتبع نفسه ذليلة غير الله إلا زاده الله وهنا وخسارة، ثم أيضا هل يظن بالكريم أن يخذل عبده الذي ما فتيء يسعى في طلب مرضاته ونيل محبته في ساعة الشدائد والضيق وساعة العسرة التي يكاد أن يطير فيها قلبه لولا ربط الله تعالى عليه، وللعبودية في ساعات الشدة أثر بالغ و كبير في قرب الفرج وبدو أمارات النصر، فهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وجعل خير العبادة ما كان في زمن الهرج و المرج، وحاله يوم بدر أكبر شاهد على ذلك فقد جأر بالدعاء وإشتد إبتهاله وتضرعه لربه وتذلله بين يديه سائله أن يعجّل بنصره الذي وعده إياه.
وهذه هي التي يستجلب بها نصر الله تعالى وبدونها وحين تخلفها وعدم الإتيان بما أراده الله وطلبه فهيهات أن ينصر من أعرض عن دينه ولم يتبع هداه الذي جاء بـه رسوله صلى الله عليه وسلم واتبع ما أجلب به الكفار من حياة قوامها على الرذيلة والمعصية بل ترك الشريعة كلها فعمود النصر التجرد لله تعالى بالعبودية التي هي تمام الذل له وكمال المحبة له ومنتهى الإنقياد والإستسلام لدينه وشرعه، فمتى قامت الأمة بالتعبد لله تعالى والتذلل بين يديه أضاء لها بفضل الله وكرمه نور النصر واضحا جليا تبصره قلوب الصالحين من أولياء الله العابدين وتعمى عنه بل تحرمه قلوب وأبصار من تعبد لغير الله تعالى، وكلما كان تعبد الأمة لله أتم كان نصر الله لها أكمل وأقرب.








