بين واجب التضامن وحسابات الحرب…
بقلم :ا / هبة شاهين -الإسكندرية
قراءة في الأمن القومي، وذاكرة الحروب، ومسؤولية القرار في لحظة إقليمية بالغة الحساسية
في لحظات التحول الإقليمي الكبرى، لا تكون القرارات المصيرية مجرد مواقف سياسية عابرة، بل اختبارات لقدرة الدولة على الموازنة بين التزاماتها، ومصالحها الاستراتيجية، وأمن مواطنيها، ومستقبل مواردها.
ومن هذا المنطلق، يأتي الموقف المصري المعلن بشأن الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وما تضمنه بيان مجلس الدفاع الوطني الصادر في 18 أكتوبر 2026 من تضامن كامل مع المملكة، واستعداد لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة، بالتوازي مع تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد. كما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للنظر في تفويض يتعلق بأي تحرك دفاعي تطلبه السعودية.
إن قراءة هذا التطور تستلزم تجاوز الانفعال، سواء كان حماسًا غير محسوب للتدخل العسكري أو رفضًا مطلقًا لأي التزام عربي خارج الحدود، والانتقال إلى فهم المصالح والمخاطر التي تحكم القرار.
أولًا: أمن السعودية يتجاوز حدود المملكة
العلاقة بين الأمن المصري والسعودي ليست مجرد رابطة تاريخية أو عاطفية بين شعبين، بل تتصل بموقع البلدين في منظومة الأمن الإقليمي، وبأمن البحر الأحمر والممرات البحرية والتجارة والطاقة.
صحيح أن مصر والسعودية لا تتشاركان حدودًا برية، لكنهما تطلان على البحر الأحمر، وتتصل مصالحهما بأمن الملاحة فيه، وبسلامة الممرات المؤدية إلى قناة السويس. كما أن اضطراب باب المندب واتساع المواجهات في المنطقة يمكن أن ينعكسا على حركة التجارة وتكاليف النقل وإيرادات القناة والاقتصاد المصري.
ومن ثم، فإن الاعتداء على الأراضي السعودية لا يُقرأ مصريًا باعتباره حدثًا بعيدًا بالضرورة عن المصالح الوطنية. فكلما اتسعت دائرة الصراع، زادت احتمالات انتقال آثاره إلى دول الجوار،
سواء من خلال اضطراب الملاحة، أو ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين، أو تعطل سلاسل الإمداد، أو اتساع نطاق المواجهات.
وتكتسب حماية المقدسات الإسلامية في المملكة أهمية دينية وإنسانية خاصة لدى المصريين والمسلمين عمومًا. غير أن الموقف الاستراتيجي لا يقوم على الاعتبار الديني وحده؛ بل يستند كذلك إلى سيادة الدول، وحماية المدنيين، ورفض الاعتداءات، وصيانة الأمن الإقليمي.
التضامن هنا لا يعني أن مصر مطالبة بخوض كل مواجهة، بل يعني أن لديها مصلحة حقيقية في منع الاعتداءات من التحول إلى تهديد أوسع لأمن المنطقة ومصالحها.
ثانيًا: ذاكرة الحروب ليست دعوة إلى الانسحاب… بل إلى التعلم
من حق المواطن المصري أن يستحضر تاريخ بلاده العسكري حين يسمع عن احتمال إرسال قوات إلى خارج الحدود. فهذا المواطن يعرف أن الجيوش لا تتحرك بالشعارات، وأن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه في بدايتها، بل أيضًا بما تفرضه من خسائر بشرية واقتصادية، وبما تتركه من آثار على التنمية لسنوات طويلة.
وتقدم تجربة التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي درسًا مهمًا في مخاطر الانخراط العسكري الممتد في صراع معقد، تتداخل فيه الجغرافيا والسياسة والتحالفات المحلية والخارجية، وتصبح فيه السيطرة على مسار الأحداث أصعب كلما طال أمد المواجهة.
أما حرب 1948، فتذكّرنا بتكلفة الحروب في مرحلة تاريخية مختلفة، بينما ارتبط الدور المصري في حرب تحرير الكويت عام 1991 بتحالف دولي هدفه إنهاء احتلال الكويت واستعادة سيادتها. وهذه تجارب مختلفة في سياقاتها وأهدافها، ولا يصح وضعها جميعًا في سلة واحدة، لكنها تؤكد ضرورة دراسة طبيعة المهمة العسكرية قبل الحكم عليها.
والدرس الأهم أن النجاح العسكري لا يتوقف على القدرة على دخول الحرب، بل يشمل القدرة على تحديد أهدافها، وضبط نطاقها، وتقدير تكلفتها، ومعرفة الطريق إلى إنهائها.
فالتاريخ لا يفرض على مصر أن تكرر تجاربها، كما لا يفرض عليها أن تتخلى عن مصالحها خوفًا من تكرارها.
☆إنه يمنحها خبرة ينبغي أن تُترجم إلى تخطيط أدق، وتقدير أشمل للمخاطر، وحرص أكبر على ألا يتحول الالتزام المحدود إلى استنزاف مفتوح.
ثالثًا: الخطوة السياسية
من الضروري التمييز بين إعلان التضامن، وتقديم الدعم السياسي أو اللوجستي، وإتاحة تفويض دستوري لتحرك دفاعي محتمل، واتخاذ قرار تنفيذي بإرسال قوات إلى مهمة محددة.
هذه مستويات مختلفة، ولا يعني أحدها تلقائيًا تحقق المستوى التالي.
وقد أوضح الرئيس السيسي أن التحرك المقصود دفاعي، وليس إعلانًا عن الرغبة في مهاجمة طرف آخر، وأنه مرتبط بطلب سعودي وبالموافقة البرلمانية المطلوبة.
وهذا التمييز جوهري؛ لأن التفويض، إذا أُقر، يتيح إطارًا قانونيًا وسياسيًا للتحرك في حدود ما يشمله، لكنه لا يكشف وحده عن حجم القوات التي قد تُرسل، أو طبيعة مهمتها، أو مدتها، أو قواعد اشتباكها، أو سقف الالتزامات التي قد تنشأ عنها.
ومن هنا، فإن التقييم الموضوعي لا يفترض أن مصر دخلت الحرب بالفعل لمجرد إعلان التضامن أو طلب التفويض، كما لا يفترض أن المخاطر انتهت بمجرد وصف المهمة بأنها دفاعية.
فالقرار المسؤول يحتاج إلى وضوح في الهدف، وحدود في المهمة، وتقدير واقعي للتكلفة، وآليات للرقابة والمراجعة، وتصور لنهاية المهمة، وخطة تمنع التورط في مواجهة أوسع مما اقتضته الضرورة.
الدفاع عن المصالح لا يتعارض مع الحذر، والحذر لا يعني التردد، كما أن الاستعداد العسكري لا يساوي حتمية استخدام القوة.
رابعًا: حماية السعودية دون استنزاف مصر
تتعدد أشكال الدعم التي يمكن للدول تقديمها في أزمات الأمن الإقليمي، ولا تبدأ جميعها بإرسال قوات إلى ساحات القتال.
فهناك التنسيق السياسي والدبلوماسي،
وتبادل المعلومات وفق الأطر القانونية، والتعاون الدفاعي، وحماية الملاحة والممرات البحرية، والدعم الفني واللوجستي،
إلى جانب المساهمة في الجهود الدولية والإقليمية لوقف الاعتداءات ومنع اتساع المواجهة.
وتختلف ملاءمة كل خيار بحسب طبيعة التهديد، والطلب المقدم، والاتفاقات القائمة، والقدرات المتاحة، والمخاطر المتوقعة.
أما إذا طُرح تحرك عسكري مباشر، فإن تقييمه ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المعايير الواضحة: حيث الهدف المحدد الذي سيحققه
و المخاطر على الجنود والمدنيين و حدود المهمة جغرافيًا وزمنيًا ومنع التوسع للمواجهة والشروط التي تسمح بإنهائها دون الإضرار بالأمن المصري.
..هذه أدوات لضمان أن يظل التضامن متوافقًا مع المصلحة الوطنية، وأن تكون أي تضحية محتملة مرتبطة بهدف مشروع ومحدد، لا بانخراط غير محسوب في صراع طويل.
كما أن الاستعداد العسكري لا ينبغي أن يحجب أهمية الحلول السياسية.
فوقف الهجمات، وحماية المدنيين، واحترام سيادة الدول، ومعالجة أسباب الصراع،
أهداف لا تقل أهمية عن الردع، وقد تكون أكثر قدرة على منع تكرار المواجهات.
خامسًا: الثقة في مؤسسات الدولة لا تعني تعطيل العقل
في القضايا المصيرية، يحتاج المجتمع إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وفق المعلومات والتقديرات الأمنية، لكنه يحتاج كذلك إلى وضوح يشرح للمواطن طبيعة الالتزام وحدوده، وما يترتب عليه من مسؤوليات وتكاليف.
فالثقة لا تُبنى على مطالبة الناس بتجاهل مخاوفهم، ولا على تصوير كل اختلاف باعتباره نقصًا في الوطنية. كما أن إبداء القلق من احتمالات الاستنزاف لا يعني بالضرورة رفض التضامن العربي أو التقليل من شأن أمن السعودية.
هناك فرق بين رفض الاعتداء على دولة شقيقة، وهو موقف يمكن أن يجتمع عليه المختلفون، وبين الاختلاف بشأن أفضل الوسائل لمنع الاعتداءات واحتواء نتائجها.
والمجتمع الناضج هو الذي يستطيع أن يجمع بين المبدأ والتقدير: يرفض العدوان، ويدعم حماية المدنيين وسيادة الدول، وفي الوقت نفسه يناقش بجدية كلفة الخيارات المتاحة وحدودها.
ومن مسؤولية المؤسسات أن تقدم المعلومات اللازمة كلما سمحت اعتبارات الأمن بذلك، وأن توضح طبيعة المهمة وأهدافها وضوابطها. فكلما اتضحت المعايير، تراجعت مساحة الشائعات والتأويلات، وأصبح النقاش العام أكثر قدرة على التمييز بين الوقائع والافتراضات.
سادسًا: الذي يجب أن يحكم القرار المصري..
المعيار الأهم ليس مقدار الحماس الذي يصاحب القرار، ولا حجم الضغوط التي تحيط به، بل مدى اتساقه مع المصالح المصرية وقدرته على تحقيق أهدافه بأقل تكلفة ممكنة.
وتتطلب هذه الموازنة حماية أمن المملكة من الاعتداءات، وصيانة حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومنع اتساع الصراع، والحفاظ على أرواح المصريين، وعدم الإضرار بقدرة الدولة على مواصلة التنمية وحماية أمنها الداخلي.
كما تتطلب التمييز بين التهديد المباشر الذي يستدعي استجابة محددة، والصراع الممتد الذي قد تتعدد أطرافه وتتغير أهدافه. فكلما كانت المهمة محددة، والهدف قابلًا للتقييم، والضوابط واضحة، أمكن تقدير فرص نجاحها ومخاطرها بصورة أفضل.
ولا توجد سياسة خارجية مسؤولة بلا مخاطر، لكن هناك فرقًا بين مخاطر تُدرس وتُدار، ومخاطر تتسع دون حدود واضحة.
ومن ثم، فإن نجاح الموقف المصري لا ينبغي قياسه بمجرد إعلان الاستعداد للتحرك، بل بقدرته على حماية المصالح المصرية والعربية، ومنع الاعتداءات، وتجنب الاستنزاف، والحفاظ على فرص التسوية السياسية.
☆فالتضامن الواعي أقوى من الاندفاع
تقف مصر أمام معادلة دقيقة: لا يمكن تجاهل ما يمثله أمن السعودية والبحر الأحمر من أهمية للمصالح المصرية، ولا يمكن في الوقت نفسه التعامل مع أي احتمال للمشاركة العسكرية باعتباره قرارًا بلا تكلفة أو مخاطر.
والاستفادة الحقيقية من التاريخ ليست في استدعاء هزائمه أو انتصاراته لتبرير موقف مسبق، بل في فهم الظروف التي صنعت نتائجه، وتجنب الأخطاء التي يمكن تجنبها، وتطوير أدوات الدولة السياسية والعسكرية بما يتناسب مع طبيعة التهديد الراهن.
إن حماية الأشقاء لا تستلزم بالضرورة حربًا مفتوحة، كما أن تجنب الحرب لا يتحقق بمجرد إعلان الرغبة في السلام.
¤المطلوب هو ردع يمنع الاعتداء، ودبلوماسية تقلل فرص التصعيد، وقرار عسكري منضبط إذا اقتضت الضرورة، ورقابة مؤسسية تضمن أن تظل الأهداف والوسائل والتكاليف واضحة.
فالدولة التي تحترم تاريخها لا تكرره بصورة آلية، بل تتعلم منه. والدولة التي تحمي أمنها لا تختار بين القوة والسلام، بل تسعى إلى امتلاك القوة التي تحمي السلام، وإلى إدارة القوة بحكمة تمنع تحولها إلى استنزاف.
واخيرا.ً
تظل مصلحة المواطن المصري، وأمن الوطن، وحماية مقدراته، معيارًا أساسيًا للحكم على أي قرار مصيري. فالتضامن العربي قيمة مهمة، لكنه يصبح أكثر رسوخًا حين يجتمع مع وضوح الأهداف، ودقة الحسابات، واحترام القانون، والسعي الجاد إلى منع الحرب وإنهائها.








