المرأة ومجتمعاتمقالات

الطلاق بين وجع البقاء وخوف الرحيل.. بقلم إسراء محمد

الطلاق بين وجع البقاء وخوف الرحيل..

 

بقلم إسراء محمد

ليست كل البيوت التي تبدو مستقرة من الخارج تعرف الطمأنينة، وليست كل الزيجات التي تستمر سنوات دليلًا على نجاح أصحابها في الحفاظ على المودة. فثمة أشخاص يتشاركون المكان، بينما تتسع المسافة بين قلبيهما، وثمة من يتبادلون الحديث كل يوم، لكنهم يعجزون عن قول الجملة الأصدق لم نعد بخير.

بعضهم يتمنى الرحيل ويخاف ما ينتظره خلف الباب، وبعضهم لا يريد الرحيل بقدر ما يتمنى أن تعود العلاقة إلى ما كانت عليه. وبين هؤلاء تقف حكاية الطلاق، لا بوصفه ورقة تنهي زواجًا فحسب، بل تجربة إنسانية معقدة حين يصبح البقاء مؤلمًا، ويبدو الرحيل مخيفًا.

كيف يصل شخصان اختارا يومًا أن يكملا حياتهما معًا إلى مرحلة يتمنيان فيها لو لم يلتقيا؟ وكيف يتحول الاحتواء إلى عبء، والبيت الذي كان ملاذًا إلى مكان يتمنى أحدهما مغادرته؟ لا يبدأ الطلاق دائمًا بقرار مفاجئ؛ فقد يبدأ قبل ذلك بسنوات، حين تتراكم الخيبات الصغيرة، وتتكرر الكلمات الجارحة، وتُؤجَّل المواجهات، ويصبح الصمت وسيلة لتجنب الشجار لا علامة على الرضا. ومع الوقت، قد يكتشف أحد الزوجين أنه لم يعد يعيش العلاقة، بل يتحملها، وأن ما كان يسميه صبرًا صار استنزافًا لا يعرف كيف يوقفه.

في حكايات الطلاق، اعتاد المجتمع أن يبحث عن متهم، وكأن كل علاقة تنتهي لا بد أن يكون أحد طرفيها بريئًا تمامًا والآخر مسؤولًا عن كل ما حدث. فإذا طلبت المرأة الانفصال، سألها البعض لماذا لم تصبر، وإذا طلبه الرجل، اتهمه آخرون بالتخلي عن واجباته. وبين هذه الأحكام تختفي التفاصيل الحقيقية فليس كل من يطلب الطلاق ظالمًا، وليس كل من يرفضه مظلومًا، وليس كل من يغادر قد توقف عن الحب، كما أن كل من يبقى ليس بالضرورة متمسكًا بالشريك.

هناك امرأة لم تدخل الزواج لتخرج منه، لكنها اكتشفت مع الأيام أن الحب وحده لا يحميها من الإهانة، وأن الصبر لا يغيّر إنسانًا لا يرى في سلوكه خطأ، وأن الاعتذار الذي يعقبه الأذى نفسه ليس إصلاحًا، بل تأجيل لجولة جديدة من الألم. ربما حاولت أن تشرح ما يؤذيها، ومنحت العلاقة فرصة بعد أخرى، حتى أصبحت تخشى الحديث لأنها تعرف نهايته، وتخشى الصمت لأنه يتركها وحيدة مع وجعها. وعندما تفكر في الطلاق، قد لا يكون سؤالها: هل أريد الرحيل؟ بل: هل أستطيع أن أرحل؟

فبعض النساء لا يمنعهن من الانفصال إلا الخوف من المستقبل، أو عدم امتلاك دخل مستقل، أو غياب السكن الآمن، أو القلق من إجراءات طويلة ونزاعات تستنزف ما تبقى من قوتهن. وبعضهن يخشين نظرة المجتمع أكثر من الوحدة؛ لأن المرأة قد تجد نفسها مطالبة بتبرير قرارها لكل من يعرفها، وكأن حياتها الخاصة أصبحت قضية عامة يحق للجميع إصدار الأحكام بشأنها. وقد تخشى فقدان مكانتها داخل أسرتها، أو أن تتحول حكايتها إلى مادة للهمس والتشكيك، أو أن تُحمَّل وحدها مسؤولية علاقة شارك طرفان في بنائها.

لكن الظلم لا يعرف جنسًا بعينه، والرجل أيضًا قد يجد نفسه في زواج يستنزفه ولا يملك مساحة آمنة للاعتراف بأنه يتألم. فقد يعيش مع شريكة لا تحترمه، أو يتعرض للإهانة المستمرة، أو يجد نفسه مطالبًا بالعطاء المادي والعاطفي دون أن يُسمح له بالتعبير عن احتياجاته أو ضعفه. وربما يحاول إصلاح العلاقة فيُقابل بالرفض أو السخرية، ثم يصمت لأن الاعتراف بالمعاناة يتعارض، في نظر البعض، مع الصورة التي ينبغي للرجل أن يظهر بها دائمًا القوي الذي يتحمل ولا يشتكي.

وقد يتأخر الرجل في اتخاذ قرار الانفصال خوفًا من الأعباء المالية، أو النزاعات المتعلقة بالحقوق، أو فقدان الاستقرار الذي اعتاد عليه، أو من أن يصبح وحيدًا بعد سنوات من الحياة المشتركة. وربما يخشى أن تتغير علاقته بأبنائه، أو أن يتحول خلافه الزوجي إلى صراع طويل يستنزف وقته وماله وراحته. وبين امرأة تخاف الرحيل لأنها لا تملك ضمانات كافية للمستقبل، ورجل يخشى الاعتراف بأن زواجه يؤذيه، تتكشف حقيقة لا يحب كثيرون مواجهتها: قد يصبح الإنسان سجينًا لعلاقة لا يريدها، لا لأنه عاجز عن فهم ألمه، بل لأنه لا يرى طريقًا آمنًا للخروج منها.

وليس الخوف وحده ما يجعل الناس يستمرون. فهناك من يبقى لأنه لا يزال يحب، ويتمسك بالأيام الجميلة، ويعتقد أن ما تغير يمكن إصلاحه، وأن الإنسان الذي أحبه يومًا قادر على استعادة ما فقده. وقد يكون هذا التمسك فرصة حقيقية حين يملك الطرفان الرغبة والاستعداد للتغيير، لكنه يتحول إلى استنزاف طويل عندما يقوم على الوعود وحدها، من دون أفعال تثبت أن شيئًا قد تغير.

وثمة من يستمر لأن فكرة الفشل تؤلمه أكثر من العلاقة نفسها. يصعب عليه أن يعترف بأن اختيارًا اتخذه بحب لم يعد مناسبًا لحياته، فيحاول إنقاذ صورته أمام نفسه وأمام الآخرين، ولو كان الثمن راحته وكرامته. وهناك من يخشى الوحدة، لا لأنه يحب شريكه بالضرورة، بل لأنه يخاف مواجهة الحياة منفردًا، أو اتخاذ القرارات دون وجود شخص اعتاد أن يشاركه تفاصيل يومه. وقد يبقى آخرون بسبب الاعتماد المادي، أو ضغوط العائلة، أو الخوف من كلام الناس، أو الاعتقاد بأن الطلاق وصمة لا تُمحى، وكأن الإنسان مطالب بأن يدفع عمره ثمنًا لقرار اتخذه في مرحلة سابقة من حياته.

ويستمر بعض الأزواج لأنهم اعتادوا العلاقة حتى أصبحت، رغم ألمها، مألوفة أكثر من المجهول. فالإنسان لا يخاف دائمًا ما يؤذيه بقدر ما يخاف ما لا يعرفه. وقد يفضّل ألمًا يعرف تفاصيله على بداية لا يعرف كيف يتعامل معها، أو يؤجل القرار منتظرًا أن تتغير الظروف وحدها. وقد تتداخل الأسباب؛ فيبقى شخص بدافع الحب والخوف معًا، أو يتمسك آخر بالزواج لأنه لا يريد الاعتراف بأن محاولاته لم تنجح. لذلك لا يصح اختزال البقاء في الجبن، كما لا يصح اعتباره دليلًا على الوفاء في كل الأحوال؛ فلكل تجربة ظروفها التي لا تظهر كاملة من الخارج.

وهناك من لا يبقى حبًا في شريكه، ولا خوفًا من الوحدة وحدها، بل لأنه لا يعرف كيف يبدأ من جديد بعد أن بنى سنوات عمره حول علاقة واحدة. فقد تكون هويته الاجتماعية مرتبطة بكونه زوجًا، أو تكون تفاصيل حياته اليومية قائمة على وجود شخص آخر، حتى إنه لا يتخيل شكل الأيام بدونه. وقد يشعر أن الاعتراف بانتهاء العلاقة يعني الاعتراف بخسارة سنوات وجهد وأحلام، فيتمسك بالماضي كي لا يواجه حقيقة الحاضر. لكن السنوات التي مضت لا يمكن استعادتها بمجرد الاستمرار، كما أن الخوف من خسارة ما سبق لا ينبغي أن يكون وحده سببًا لاتخاذ قرارات السنوات القادمة.

وهنا يجب أن نفرق بين الصبر والاستسلام.

فالصبر داخل العلاقة قد يكون موقفًا واعيًا يمنح الطرفين فرصة للتغيير، أما الاستسلام فهو أن يتنازل أحدهما عن حقوقه وكرامته باستمرار، ويقنع نفسه بأن تحمله للأذى فضيلة لا ينبغي أن يتخلى عنها. وليس كل خلاف سببًا كافيًا للطلاق، كما أن طول مدة الزواج ليس دليلًا على ضرورة استمراره. فهناك علاقات تمر بأزمات حقيقية، لكنها تستطيع التعافي بالحوار الصادق، وتحمل المسؤولية، والاستعانة بمختص عند الحاجة. وهناك علاقات لا تتوقف فيها الإساءة، ولا توجد فيها إرادة حقيقية للإصلاح، فيصبح انتظار التغيير طريقة أخرى لإطالة المعاناة.

الإصلاح لا يعني أن ينتصر أحد الزوجين على الآخر، بل أن يتوقف الاثنان عن التعامل مع الزواج باعتباره معركة لإثبات من المخطئ ومن صاحب الكلمة الأخيرة. ولا يكفي أن يطالب أحدهما الطرف الآخر بالتغيير بينما يرفض مراجعة نفسه، كما لا تكفي كلمات الاعتذار إذا لم تتبعها خطوات واضحة. فالعلاقة لا تُنقذ بجهد شخص واحد، ولا يستطيع طرف أن يحمل وحده مسؤولية زواج يحتاج إلى مشاركة الاثنين. وحين يكون الأمان مهددًا بسبب العنف أو التهديد، تصبح حماية النفس وطلب المساندة المناسبة أولوية، لا أمرًا ينبغي تأجيله تحت ضغط الشعور بالذنب أو الخوف من كلام الناس.

أما الطلاق نفسه، فليس نهاية سهلة كما يتخيل البعض، ولا بداية مضمونة لحياة أفضل. إنه انتقال كبير يحمل أسئلة عن السكن والعمل والاستقرار المادي والعلاقات الاجتماعية، وقد يصاحبه حزن حتى عندما يكون القرار ضروريًا. فالإنسان لا يفقد شريكًا فحسب، بل قد يفقد معه تفاصيل اعتادها، وخططًا رسمها، وصورة للمستقبل ظل يصدقها سنوات. وربما يحزن على العلاقة التي انتهت، وعلى العلاقة التي كان يتمنى أن يعيشها ولم تحدث، وعلى الوقت الذي أنفقه محاولًا إصلاح ما لم يكن قادرًا على إصلاحه وحده.

وقد يشعر من يطلب الطلاق بالذنب، حتى عندما يكون قد وصل إلى حدوده الأخيرة، ويتراجع في لحظات الضعف أمام ذكرى جميلة أو وعد جديد. وفي المقابل، قد يشعر الطرف الآخر بالغضب أو الرفض أو الرغبة في الانتقام، لا لأنه يريد استمرار العلاقة بالضرورة، بل لأنه لا يحتمل أن يكون القرار قد اتُّخذ دون أن تكون له الكلمة الأخيرة. وهنا تتحول نهاية الزواج أحيانًا إلى صراع على الكرامة والسيطرة، وتضيع الحقيقة وسط محاولات إثبات من انتصر ومن خسر.

وتزداد صعوبة القرار حين يتحول الطلاق إلى معركة اجتماعية وقانونية بدلًا من أن يكون إنهاءً مسؤولًا للعلاقة. فقد يخشى أحد الطرفين المماطلة في الحقوق، أو استنزاف المال والوقت في النزاعات، أو استخدام الأسرار الشخصية وسيلة للضغط والتشهير. وقد يخلط البعض بين حقه في الاعتراض على الانفصال وحقه في التحكم في الطرف الآخر، فيرفض إنهاء العلاقة لا رغبة في إصلاحها، بل رغبة في ألا يكون القرار بيد شريكه. فالتمسك بالزواج لا يكون دليلًا على الحب إذا كان المقصود منه العقاب أو السيطرة، مثلما أن طلب الطلاق لا يمنح صاحبه الحق في الظلم أو التنصل من المسؤوليات.

لكن إنهاء العلاقة لا يمنح أحدًا الحق في الإهانة أو التشهير أو المماطلة في الحقوق.

فالانفصال لا يمحو المسؤوليات، ولا يحول الطرف الآخر إلى عدو تجوز معاقبته. ومن حق كل طرف أن يحفظ كرامته، وأن يسعى إلى حقوقه بالطرق المشروعة، وأن يبدأ حياته من جديد دون أن يظل أسيرًا للرغبة في الانتقام. فالنجاح بعد الطلاق ليس أن يرى الطرف الآخر ندمك، ولا أن تثبت للناس أنك الرابح، بل أن تستعيد قدرتك على العيش بسلام، وأن تتعلم من تجربتك دون أن تسمح لها بأن تسرق منك الثقة في الحياة كلها.

ولعل أكثر ما نحتاج إلى مراجعته هو نظرة المجتمع إلى الزواج والطلاق معًا. لماذا نحتفل ببداية العلاقة، ثم نتعامل مع نهايتها باعتبارها فضيحة؟ ولماذا نطالب الناس بالاستمرار لأنهم تزوجوا، دون أن نسأل عن طبيعة الحياة التي يعيشونها؟ ولماذا يُطلب من بعض النساء تحمل ما لا يُحتمل باسم الصبر، بينما يُطلب من بعض الرجال إخفاء ألمهم باسم القوة؟ إن الزواج مسؤولية، والطلاق مسؤولية أيضًا، لكن أيًّا منهما لا ينبغي أن يكون أداة لفرض السيطرة أو إصدار الأحكام على الآخرين.

ليس المطلوب أن نجعل الطلاق حلًا أول لكل خلاف، ولا أن نجعل الحفاظ على الزواج واجبًا مهما كانت تكلفته الإنسانية. المطلوب أن نمنح الناس مساحة للتفكير الواعي، وأن نساعدهم على التمييز بين أزمة يمكن تجاوزها وعلاقة لم يعد استمرارها ممكنًا بصورة صحية. وأن نفهم أن قرار الرحيل لا يُقاس بمدى سهولته، كما لا يُقاس نجاح الزواج بعدد السنوات التي استمر فيها، بل بما أتاحه للطرفين من احترام وأمان وقدرة على أن يكون كل منهما نفسه دون خوف.

في النهاية، قد يرحل إنسان لأنه لم يعد يحب، وقد يرحل لأنه أحب طويلًا ولم يجد في المقابل ما يساعده على البقاء. وقد يستمر آخر لأنه يؤمن بفرصة جديدة، أو لأنه يخشى أن يخسر كل شيء إذا غادر. وقد يبقى شخصان لأنهما يريدان إصلاح علاقتهما، بينما يبقى آخران لأنهما لا يملكان القدرة على مواجهة النهاية. ولا يمكن وضع كل هذه الحكايات في حكم واحد، أو اختصارها في اتهام جاهز للرجل أو المرأة.

فالزواج ليس انتصارًا لمجرد أنه استمر، والطلاق ليس هزيمة لمجرد أنه وقع. الهزيمة الحقيقية أن يفقد الإنسان نفسه وهو يحاول إرضاء الجميع، وأن يقضي عمره خائفًا من قرار قد يعيد إليه سلامه، أو متمسكًا برحيل لا يجرؤ على مواجهته. وبين وجع البقاء وخوف الرحيل، لا يحتاج الإنسان إلى من يحاكمه بقدر ما يحتاج إلى أن يرى الحقيقة بوضوح، وأن يختار طريقه بوعي، وأن يدرك أن كرامته وراحته النفسية ليست ثمنًا واجب الدفع كي يثبت للآخرين أنه نجح في الزواج.

زر الذهاب إلى الأعلى