زواج بلا حب.. سكنٌ في العراء!
بقلم / عادل محمود
في زوايا هذا العالم الفسيح، تقام يومياً آلاف الأعراس؛ زغاريد تتصاعد، وورود بيضاء تفرش الطرقات، وأيدي تُشبك ببعضها تحت اسم “الميثاق الغليظ”.
ولكن خلف هذه الطقوس الباهية، وفي مساحات الصمت التي تلي سكون الأضواء، يُسأل السؤال الأعمق والأقسى .
هل يكفي السقف الواحد ليصنع بيتاً، وهل تكفي الأوراق الرسمية لتبني حبّاً؟
الزواج بلا حب ليس مجرد فكرة مجردة أو عقدٍ يُبرم في غفلة من المشاعر، بل هو حكاية أرواحٍ التقَتْ على مائدة العقل والواجب، ونَسِيَت أن تدعوا القلب كشاهدٍ أول على الرباط.
أصعب أنواع الوحدة ليست تلك التي تعيشها وأنت تفصلك عن العالم مسافات، بل هي تلك التي تستشعرها وأنت تجلس بجوار شخصٍ يشاركك تفاصيل يومك، وحتى أنفاسك، دون أن تحلق أرواحكما في السماء ذاتها.
عندما يغيب الحب عن الزواج، تتحول المودة إلى مجرد “واجبات قائمة”، وتغدو اللمسات بروتوكولاً آلياً خاوياً من الدفء.
ينظر كل طرف إلى الآخر كشريكٍ في إدارة شؤون الحياة، لا كملاذٍ آمنٍ تُلقى عند أقدامه أثقال الروح.
إنها حالة من “الاحتباس العاطفي”؛ حيث تمشي في دارك آمناً، لكنك تشعر طوال الوقت ببرد الصقيع يتسلل إلى أصابعك، لأن شعلة الشغف التي تُدفئ القلوب لم تُوقَد بعد.
هل الحبّ يُولدُ بعد الزواج ؟
طالما همس الحكماء في آذاننا بعبارة “الحب يولد بالمعاشرة والصبر”.
وفي كثير من الأحيان، تبدأ الزيجات كصحراء جافة، ثم مع أول قطرة احترام وتقدير، تنبت بين الزوجين زهورٌ من الألفة والمودة العميقة.
فالاهتمام الصادق، والوقوف في أوقات الشدة، والتبسم في وجه الآخر، كلها بذورٌ قد تنمو مع الأيام لتتحول إلى حبٍّ من نوعٍ آخر.
حبٍّ هادئ، رصين، يعتمد على الجذور لا على الاندفاع العابر.
ولكن ما أتعسها من رحلة إن ينتظر العشاق هطول الغيث، حينها يصبح الصبر كفاحاً، وتتحول المحاولة إلى إرهاقٍ يُضني الروح، ليجد الإنسان نفسه قد أضاع عمره في انتظار طيفٍ قد لا يأتي أبداً.
إن الحب بمفهومه الرومانسي قد يتضائل تدريجياً مع صعوبات واعباء الحياة وتفاصيلها اليومية، ولكن ما يتبقى في الزواج الناجح هو “الرحمة والوفاء”.
فإن خلت القلوب من لوعة العشق، فلا أقلّ من أن تُغمر بفيضٍ من الرحمة والإحسان.
الاحترام المتبادل، وتفهم احتياجات الطرف الآخر، وأن نكون ظلاً ظليلاً لبعضنا في العواصف، كلها صورٌ راقية من السكن النفسي.
قد لا يكون زواجاً اشتعلت فيه نيران الغرام، ولكنه بفضل النبل الإنساني، يتحول إلى ملاذ آمنٍ يحمي ساكنيه من قسوة العالم الخارجي.
يبقى الزواج بلا حب كعزف قيثارةٍ بدون أوتار؛ قد تملك الآلة الثمينة، لكنك لن تسمع الألحان التي تحرك السكون.
الحب ليس رفاهيةً تجميلية في مسيرة العمر، بل هو الوقود الذي يجعل غفران الزلات ممكناً، ويجعل العطاء بلا مقابل، ويجعل التجاعيد التي تُرسم على الوجوه مع السنين مجرد حكايات عشقٍ نضجت على مهل.
فلتكن قلوبنا شجاعة بما يكفي لتسعى وراء الحب.
فالأرواح لم تُخلق لتعيش في بيوتٍ حجرية، بل لِتستريح في قلوب تعرف كيف تحب.








