خالد بن الوليد وتنظيم قواته القليلة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
في غزوة مؤتة وبعد إستشهاد القاده الثلاثة، لقد إصطلح الناس على خالد بن الوليد، وكان خالد لها، فهو شجاعة وإقداما، وخبرة بأمور الحرب وسياستها، فأخذ الراية، وقاتل قتالا مريرا حتى تكسرت في يده تسعة أسياف من شدة القتال، لا شلت يمينه، وروى الإمام البخاري عن خالد رضي الله عنه أنه قال.
“لقد إنقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية” وكان خالد يقاتل وهو يحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق، وقتال الإنسحاب شاق ومرهق، لا سيما وخالد لا يريد إشعار الروم بالحفاظ على الجيش وسحبه، ودخل الليل على المتحاربين فتوقف القتال، فأعاد خالد بن الوليد تنظيم قواته القليلة، فجعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته فأنكر الأعداء ما كانوا يعرفون من رايات وهيئات المسلمين وقالوا “قد جاءهم مدد، فرعبوا” وكان هدف خالد مناوشتهم، وإلحاق الخسائر بهم، دون إدخال المسلمين في حرب عامة معهم تكون خطرا عليهم، وإكتفى بذلك، ثم آثر الإنصراف بمن معه، وكان من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أن أخبر أصحابه في المدينة بخبر الجيش، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
“نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال صلى الله عليه وسلم “أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم” رواه البخاري، وعلى الرغم من ضراوة هذه المعركة، وكثرة أعداد جيش العدو فإنه لم يستشهد من المسلمين سوى إثني عشر رجلا فقط، أما العدو فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أن وصف المعركة يدل على كثرتهم، وما إنكسرت تسعة أسياف في يد خالد رضي الله عنه عبثا، ولقد كان لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند الله تعالى لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما يسرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا” رواه البخاري، أما أُسرهم ففي كفالة الله تعالى وهو نعم المولى ونعم النصير، فعن عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما قال.
“جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث من موت جعفر فقال “لا تبكوا على أخي بعد اليوم، وادعوا لي بني أخي” قال عبدالله ” فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال ادعوا لي الحلاق، فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال عليه الصلاة والسلام مداعبا “أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبدالله فشبيه خلقي وخُلقي” قال عبدالله “ثم أخذ بيدي فأشالها” وقال “اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبدالله في صفقة يمينه” قالها ثلاثا، وقال عبدالله “فجاءت أمّنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له” فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ” العيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدنيا والآخرة؟” رواه أحمد، ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام “اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم ” رواه أحمد والترمذي.








