أدب وثقافة

تقديم وتحليل لقصة ” أسير ” للكاتب محيي الدين محمود حافظ.

تقديم وتحليل لقصة ” أسير ” للكاتب محيي الدين محمود حافظ.

 

كتبت : د . ليلي صبحي

نجح الكاتب والآديب العالمي محيي الدين محمود حافظ في تقديم مرأه سيكلوجية وفلسفية لتصوير الطبيعة البشرية في أوقات الأزمات وتعرية تشوهات السلطة المطلقة ، كما قدم مادة مكثفة تفكك آليات السلوك البشري ، أسقط من خلالها رؤي نقدية تمس الواقع الانساني والسياسي متجاوزا الإطار الديني التقليدي للنص الأصلي ليصنع منها رمزية متعددة الأبعاد ، وتعد هذة القصة القصيرة ” اسير ” أحد القصص الاستشراقية للكاتب ، والتي تعود جذورها التراثية الي العهد القديم ، وتجاوز تناول الكاتب في هذة القصة البعد التقليدي ليعيد صياغتها عبر اسقاطات مبنية علي ثلاثة أبعاد سيكلوجية وفلسفية وسيلسية .

تدور أحداث القصة حول ثلاث شخصيات ، شخصية “استرا ” التي تمثل القوي الناعمة والإرادة التنفيذية للتعبير عن العقل المدبر والضمير الاخلاقي الذي يوجة التغيير ، كنا تجسد رحلة التحول الانساني من الضعف والاستلاب الي القوة والمسؤولية ، أما شخصية ” هامان ” فهي تمثل النموذج الصارخ للفساد الانساني والشر السياسي ، وهي شخصية رمزية مركبه يمكن تفكيك دلالتها علي مستوي الرمزية السياسية للمستبد الييروقراطي ، أما شخصية “مردخاي” فهي تمثل المحرك البنيوي الرافض للأحداث ، فهو لا يمثل الثورة المسلحة بل يمثل المقاومة المدنية والوعي السياسي ، وهو رمز للمواطن اليقظ الذي يراقب ويحلل ويكشف المؤامرات ،كما يمثل صعوده السياسي دولة المؤسسات القائمة علي الحق والولاء للدولة في مواجهة سياسه ” هامان ” القائمة علي الأهواء والاستبداد والمصالح الشخصية.

من المنظور السيكلوجي يشير النص الي صراع الهوية كما تصورها شخصية ” هامان” وتضخم الأنا لديه ، بارانويا السلطة ، وتمثل سيكلوجية الحاكم المغيب الذي تحركه المؤامرات وسهولة الانقياد والانفعالات اللحظية،كما يركز الكاتب من الناحية النفسية علي ثنائية القناع والهوية ، حيث تظهر شخصية “استير” في البداية كضحية تعيش في ظل الاغتراب النفسي ، فهي فتاه يتيمة مجبرة علي إخفاء هويتها الحقيقية لتعيش في قصر ملكي غريب عنها سيكلوجيا، والمقصود بثانية القناع التي تضطر ” استير ” لارتداءها فهي قناع خارجي ، وقد ركز الكاتب علي الصراعات النفسية الداخلية للشخصية وتحولاتها تحت ضعط قلق الوجود، أما عن سيكلوحية التبعية التي تدفع “استير” لتجاوز خوفها الفردي من أجل تحول المسؤولية وانقاذ الجماعة .

قام الكاتب بتفكيك آليات السلوك ، حيث تحول سلوك “استير “من سلوك شخصية تابعة الي سلوك قائدة تأخذ زمام المبادرة فتتغير هويتها الحقيقية المضطهدة ، أما عن نرجسية هامان وجنون العظمة لديه وعقدة النقص التي تشكلت لديه ، فهو الوزير الذي يستمد تقديره لذاته من الخضوع الخارجي ولكن عند رفض ” مردخاي” السجود له ، هذا الرفض الذي ايفظ لدي الوزير ” هامان “جرحا نرجسيا عميقا ، وتعويضا عن شعور داخلي بفقدان الهوية ما لبث أن تحول لديه الي رغبة ساديه في الإبادة الجماعية، كما تتضح السيكوباتيه في شخصية ” هامان” عبر المعالجة الدراميه التي قدمها الكاتب محيي الدين محمود حافظ

أما التحليل الفلسفي للقصة فيتمثل في الغياب المتافيزيقي حيث يؤكد الكاتب علي مفهوم العنايه الإلهية الصامته التي تترك للإنسان حرية الإرادة الكاملة ليصنع مصيره بنفسه ، كما حرص الكاتب علي الحضور القوي للفلسفة الوجودية حيث رسخ فكرة أن قيمة الإنسان لا تكمن في موقعه ، بل في توجهاته الأخلاقيه، حيث أن الفكرة المحورية التي طرحها ” مردخاي ” علي” استير ” وتبناها الكاتب بقوه تؤكد علي فلسفة قيمة الإنسان التي تكمن في اتخاذه قرارا أخلاقيا حرا لانقاذ الآخرين حتي لو كلفه ذلك حياته ، فالخير والشر النسبي منه والمطلق يشكلان هوية الانسان وفق اتباعه لاي منهما .

من المنظور السياسي لجأ الكاتب الي تفكيك آليات السلوك ، باستخدام أدوات سياسية حاسمة قادرة على قلب موازين القوي وتغيير التشريعات والقوانين ، أما تفكيك مفهوم السلطة حيث تتحول العدالة أحيانا الي إنتقام بين الضحية والجلاد وتبادل الأدوار بينهما يثير المزيد من التساؤلات الفلسفية حول طبيعة الخير والشر في الصراعات البشرية ، وفي نفس السياق تمكن الكاتب من توظيف أدوات المرأة والقوي الناعمة كالذكاء العاطفي والجمال والتقرب من مراكز صنع القرار ، وابدع في طرح آليات التضليل وصناعة المؤامرة حيث يبرز البعد السياسي في كيفية صناعة ” هامان “لقرارات الإبادة، حيث لم يحارب الخصوم وجها لوجه، بل استخدم خطاب الكراهية والتحريض السياسي موهما الملك بأن هناك قوي متمردة لا تطيع القوانين وتشكل خطرا على الأمن القومي للملكة ، وهذه أحد الأبعاد السياسية التي تمثل المقاومة المدنيه السلمية والشرعية القانونية في مواجهة الفساد .

أما القيم المضافة فهناك أبعاد إنسانية معقدة ، حيث تعكس قصة ” أسير ” قيما إنسانية ونفسية مستفادة ، أهمها مواجهة التنمر والتميز الاجتماعى والتحرر من الأسر النفسي والفكري والبحث عن اليقين والحقيقة، كما تعكس قيم التعاطف والاحتواء والعدالة .

تقديم وتحليل لقصة ” أسير ” للكاتب محيي الدين محمود حافظ.

زر الذهاب إلى الأعلى