مقالاتمنوعات

العلاقات المصرية- الروسية: قراءة في التاريخ، الجيوسياسي، وتأثير القرارات القيادية

العلاقات المصرية- الروسية: قراءة في التاريخ، الجيوسياسي،

وتأثير القرارات القيادية

 

بقلم / مروة فؤاد

تُعد العلاقات بين مصر وروسيا واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تعقيداً وأهمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالدولتان تمثلان قطبين جيوسياسيين محوريين؛ مصر كبوابة للعالم العربي وأفريقيا وحامية لمضيق قناة السويس، وروسيا كقوة عظمى ذات تأثير ممتد من أوراسيا إلى البحر المتوسط. ورغم أن هذه العلاقات شهدت تقلبات حادة عبر العقود الماضية، إلا أنها ظلت قائمة على مبدأ “المصلحة الوطنية” الذي يتغلب في النهاية على التقلبات الأيديولوجية.

أولاً: التطور التاريخي للعلاقات (من وجهة نظر تحليلية)

يمكن تقسيم التاريخ الحديث للعلاقات المصرية-الروسية إلى أربع محطات رئيسية تعكس طبيعة التحولات الجيوسياسية:

1. عصر التأسيس والتحالف الاستراتيجي (عصر جمال عبد الناصر)
شهدت الخمسينيات والستينيات العصر الذهبي للعلاقات المصرية-السوفييتية. كان التقاء المصالح واضحاً؛ فمصر كانت تبحث عن دعم لاستقلالها ومشاريعها التنموية والعسكرية في مواجهة التحفظات الغربية، بينما كان الاتحاد السوفييتي يبحث عن موطئ قدم في منطقة استراتيجية حيوية لكسر الطوق الغربي. تجلى هذا التحالف في صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، وتمويل وبناء السد العالي، والدعم السياسي المتبادل في المحافل الدولية.

2. عصر التحول والقطيعة النسبية (عصر أنور السادات)
مع تولي الرئيس أنور السادات الحكم، بدأت مصر في إعادة حساباتها الاستراتيجية. أدى التوجه نحو السلام مع إسرائيل (اتفاقية كامب ديفيد 1978) والتقارب الوثيق مع الولايات المتحدة إلى حدوث شرخ كبير في العلاقة مع موسكو. كان قرار طرد الخبراء السوفييت من مصر في عام 1972 نقطة فاصلة حولت العلاقة من تحالف استراتيجي إلى برودة دبلوماسية، حيث رأت موسكو في التوجه المصري خروجا عن فلكها وتأثيرها في المنطقة.

3. عصر البراغماتية والتوازن (عصر حسني مبارك)
اتسمت هذه المرحلة بـ “البراغماتية السياسية”. حافظت مصر على علاقتها المميزة مع واشنطن كحليف استراتيجي وضامن للاقتصاد، وفي الوقت نفسه أعادت بناء جسور التواصل مع موسكو (الاتحاد الروسي لاحقاً) لضمان عدم الانحياز الأحادي، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة في ملفات مثل الشرق الأوسط والشرق الأوسط.

4. عصر الشراكة الاستراتيجية الشاملة (عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي)
منذ عام 2014، شهدت العلاقات المصرية-الروسية نهضة غير مسبوقة. عادت مصر لتكون شريكاً استراتيجياً لروسيا في المنطقة، تجلى في مشاريع عملاقة مثل محطة الضبعة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس، وتعاون عسكري وأمني مكثف. هذا التقارب لم يكن عودة إلى “التحالف الأيديولوجي” كما في عهد عبد الناصر، بل كان تقارباً براغماتياً يخدم مصالح البلدين في مكافحة الإرهاب، وتوازن القوى في شرق المتوسط، وتنويع مصادر السلاح والاقتصاد.

ثانياً: كيف يمكن للقرارات القيادية أن توتر أو “تؤذي” العلاقات بين الدولتين؟

في علم العلاقات الدولية، لا توجد علاقات “أبدية” بل توجد “مصالح دائمة”. ومع ذلك، يمكن لبعض التوجهات أو القرارات الصادرة عن قادة الدول أن تحدث شرخاً أو توتراً في العلاقة المصرية-الروسية، وذلك من خلال المحاور التالية:

1. الانحياز الأحادي في التحالفات الدولية:
العلاقة الناجحة بين القاهرة وموسكو تقوم على “التوازن”. إذا قرر أحد القادة الانحياز التام والمحوري لكتلة غربية (أو روسية) بشكل يمس الأمن القومي للآخر، فإن ذلك يضر بالعلاقة. على سبيل المثال، إذا اتخذ قائد مصري قرارات تتوافق بالكامل مع عقوبات غربية تستهدف الاقتصاد الروسي بشكل مباشر، أو العكس، فإن ذلك يضعف الثقة المتبادلة ويحول الشراكة إلى مجرد علاقة شكلية.

*2. التباين في ملفات الصراع الإقليمي (سوريا، ليبيا، السودان)
تتقاطع المصالح المصرية والروسية في العديد من الملفات، لكنها قد تتعارض في أخرى. إذا تبنى أحد القادة موقفاً حاداً يدعم فصائل أو حكومات تتعارض مباشرة مع المصالح الأمنية الروسية في منطقة معينة (مثل دعم معارضة مسلحة في سوريا)، أو إذا تدخلت روسيا بشكل يهدد الأمن القومي المصري المباشر على حدوده (مثل دعم ميليشيات في ليبيا أو السودان)، فإن ذلك يخلق توتراً دبلوماسياً وأمنياً عميقاً بين البلدين.

3. التقلبات الأيديولوجية مقابل المصلحة الوطنية
التاريخ يثبت أن العلاقات تكون في أقوى حالاتها عندما يحكم القادة بـ “البراغماتية” (المصلحة الوطنية). عندما يتبنى القادة أيديولوجيات تتعارض مع طبيعة النظام الدولي أو مصالح القوى العظمى، فإن ذلك يضر بالعلاقات. مثلاً، إذا تبنى قائد مصري أيديولوجية تصادمية مع الغرب تدفع مصر نحو العزلة الاقتصادية، فقد تجد القاهرة نفسها مضطرة للرضوخ لاحقاً، مما يربك حساباتها مع حلفائها. وفي المقابل، إذا تعامل القادة الروس مع المنطقة بمنطق “القوة الغاشمة” فقط دون مراعاة الحساسيات التاريخية للشعوب، فإن ذلك قد يدفع القادة المصريين للابتعاد تدريجياً لتجنب الغضب الشعبي.

4 المنافسة في أسواق الطاقة والاقتصاد:

مصر وروسيا دولتان لهما ثقل في أسواق الطاقة. إذا اتخذ أحد القادة قرارات اقتصادية تهدف إلى إغراق الأسواق الأوروبية أو الآلية بالغاز بأسعار مدعومة لمنافسة الغاز الروسي (أو العكس)، أو إذا فرضت قيوداً على الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الطرف الآخر بدافع الحماية الاقتصادية المفرطة، فإن ذلك يضر بالجانب الاقتصادي الذي يُعد ركيزة أساسية للعلاقة السياسية.

5. التعامل مع ملفات “الخطوط الحمراء

كل دولة لها خطوط حمراء. بالنسبة لمصر، الأمن المائي (ملف سد النهضة) والأمن القومي في البحر الأحمر هما خطان أحمران. بالنسبة لروسيا، الحفاظ على نفوذها في البحر الأسود والشرق الأوسط. إذا اتخذ قائد قراراً يتجاهل هذه الخطوط الحمراء للآخر، أو يستخدمها كورقة مساومة مع طرف ثالث، فإن ذلك “يؤذي” جوهر الثقة التي تُبنى عليها العلاقات الدولية.

الخلاصة

العلاقات المصرية-الروسية ليست علاقة عاطفية أو أيديولوجية، بل هي علاقة “مصلحية” بامتياز. التاريخ يثبت أن هذه العلاقة تتسع وتضيق بحجم التوافق في المصالح.

القادة الذين نجحوا في الحفاظ على قوة هذه العلاقة (أو على الأقل منعها من الانهيار التام) هم أولئك الذين أدركوا أن “المرونة” و”التوازن الاستراتيجي” هما مفتاح البقاء. أما القادة الذين يسمحون للعواطف، أو الأيديولوجيات، أو الضغوط الخارجية بأن تطغى على المصلحة الوطنية العليا، فهم من قد يسببون شرخاً في هذه العلاقة، مما يدفع الدولتين إلى إعادة ترتيب أوراقهما في مشهد جيوسياسي لا يرحم إلا من يحسن قراءة مصالحه بدقة.

زر الذهاب إلى الأعلى