استعن بالله ولا تعجز
بقلم: أحمد مختار
في معترك الحياة المهنية، قد يواجه المرء مواقف تضع ثباته الانفعالي في اختبار حقيقي بين اندفاع العاطفة ورجاحة العقل. ومن هذه المواقف حدوث مشادات في العمل بسبب تفاصيل تنظيمية أو تباين في طريقة التعامل. في تلك اللحظات، يكون أمام المرء خياران: إما الاصطدام اللحظي الذي يغذي الغضب ويضيع الحق، أو الهدوء الذي يحفظ الكرامة. والخيار الثاني هو المسار الحكيم دائمًا؛ إذ يبدأ بطلب تحقيق رسمي لرد الاعتبار، والمطالبة بالحقوق بالعقل والمنطق، وهو ما يثمر عادة عن تفهم أصحاب القرار.
إن هذه التجارب المهنية هي دروس حياتية عميقة، لتبني دليلًا لكل من يبتغي استرداد حقه دون أن يخسر نفسه.
أولى ركائز هذه الرحلة تبدأ بـالاستعانة بالله وعدم العجز؛ فحين تواجه أزمة ما، اجعل ملاذك الأول التوكل واللجوء إلى الله، مكررًا بيقين: «حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أُنيب»، ثم انطلق للأخذ بالأسباب بأعصاب باردة ورؤية واضحة.
الركيزة الثانية هي ضبط النفس وكظم الغيظ، فالمعادلة الأزلية تثبت دائمًا أن الغضب هو المفسد الأول للقضايا العادلة؛ إذ يمنح الطرف الآخر فرصة لتحويل الأنظار عن خطئه الأساسي نحو ردة فعلك المتسرعة. تذكر أن القوة تكمن في الثبات، فمحيط العمل مليء بالمتكبر والحاقد، وبالمنافِس الشريف والمحب، وبالمقابل قد تجد الحاسد؛ لذا احكم بالمواقف ولا تندفع.
وتأتي الركيزة الثالثة لتؤكد على أهمية بناء علاقات محترمة والدعم القائم على الحق. احرص على تقوية روابطك المهنية مع الإدارة بشكل مباشر وراقٍ، ولا تترك صورتك مرتهنة لأقاويل الآخرين. وحين تعرض الوقائع بنزاهة على أصحاب القرار، ابتعد تمامًا عن فكرة التحزبات التي توغر الصدور ولا تبني حلولًا.
أما الركيزة الرابعة فهي توثيق الوقائع والتدرج في الشكوى. لا تتحدث بمرارة مرسلة، بل وثق المراسلات والتواريخ، وتحدث بلغة المستندات المهنية. ابدأ دائمًا بالمسؤول المباشر، وتدرج صعودًا في الهيكل الإداري عند الحاجة بكل هدوء وثقة، مع الحفاظ على سرية العمل وأسراره.
إن المطالبة بالحقوق ليست معركة لكسر العظم، بل هي ممارسة حضارية تعكس وعي الموظف وقيمته. واعلم أنك حين تطالب بحقك بحزم وأدب، فإنك ترسم حدودًا واضحة لكرامتك لا يقبل تجاوزها.
احفظ كرامتك، واحترم غيرك، ولا تجعل غضبك يمنح مَن أساء إليك حجةً عليك.








