مقالاتمنوعات

من الربع الخالي إلى ساسة الأرض. بقلم: د. عبد العظيم كحيل

من الربع الخالي إلى ساسة الأرض 

 

بقلم: د. الشاعر الأديب عبد العظيم كحيل

– أبو بلال- طرابلس لبنان

في زمنٍ كثر فيه حاملو الشهادات وقلّ فيه حاملو الفكر، أقف لأقول كلمة حق.

لا نشك أبداً في علم الخبراء وأهل الاختصاص الذين كلفهم ذلك عمراً من التعليم الأكاديمي وخبرة السنين، ولكنَّ هناك فطرةً وموهبةً وقدرةً لا تُمنح للجميع، قلة قليلة وهبها الله إياها. وفي المقابل، هناك أغلبية غلبتها الظروف فأخرجتها من دائرة التعليم الأكاديمي، ومع ذلك أثبتت جدارتها على مدار عشرات السنين، ونجحت في معترك الحياة القاسية التي لا يستطيع مواجهتها والانتصار فيها إلا القليل.

أنا واحدٌ من هؤلاء. لست خريج جامعة “السوربون” ولا أي جامعة أخرى؛ فقد درستُ في حياتي حتى الصف الثاني الابتدائي فقط، ومع ذلك أثبتُّ وجودي. كتبتُ منذ كان عمري اثني عشر عاماً، وولدت أولى قصائدي فوق منبر عملي حين كنت صبياً أتعلم صنعة النجارة. وفي سن السابعة عشرة، كتبتُ “الحياة مسرحية” ونُشرت في الكثير من المواقع. اليوم، تُنشر مقالاتي السياسية والاجتماعية والأدبية في كبرى المواقع الثقافية والإخبارية المرموقة، وحصدتُ أكثر من مئتي شهادة تكريم، ودكتوراه فخرية عليا، والعديد من الجوائز الأولى في مسابقات شتى.

فبالله عليكم يا خريجي الجامعات: أتستكثرون على النملة أن تمشي بجوار الفيل مرفوعة الرأس، وأن ينظر إليها الفيل باحترام وتقدير؟!..او سمكة صغير مجهرية تسبح مع حيتان عملاقة تسبر معه من فوفه احيانا وعلى جانبيه ولم تصبح تحته لان البناء تعب شديد نبني لترتفع ،☆ وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَالِ … يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَر☆

للأسف الشديد، يتغير الكثيرون عندما يعلمون بأمر خلفيتي التعليمية البسيطة، فيقللون من قيمة المنجز، بدلاً من أن يفتخروا بإبداعٍ وقدراتٍ بنيتُها بنفسي. علمتُ نفسي بنفسي، ولم يقف بجانبي أحد، حتى أقرب الناس إليّ الذين أرسل لهم ثناء الآخرين وتكريمهم لي فلا أرى منهم إلا الجفاء وغياب التقدير! وأقولها بكل صدق: هناك من يقرأ للتباهي ويلتحف بالألقاب، لكن ما يكتبه لا يتعدى التفاهة، صار البعض يظن نفسه ☆ زعيماً وفهلوياً ☆ ويمشي على سكة حديدية ضيقة، إن أصاب قطاره عطلٌ بسيط وقف؛ لأنه مربوط بالحديد لا يملك مرونة. مثلهم كمثل صاحب محل عصير لا يبيع إلا نوعاً واحداً، فإذا فقده عجز وفقد كل شيء!

أما أنا، فأفتخر بأنني أملك في دماغي خزان معرفة، لا أكتفي بصنف واحد، بل أقدم للناس “كوكتيلاً فكرياً” غنياً، أزينه بثقافة عامة من كل نوع ولون، أُخرج منها ما أريد وقتما أريد. ومن يرى في هذا غروراً، فليطالع نتاجي ليعرف أنها الحقيقة والواقع.

إن المشارط والسكاكين للجزارين وليست لغة الأدباء! فكيف يحاسبني ☆ جزار حروفي ☆ يحمل مشرطاً ليتصيد خطأً مطبعياً أو نقطة سقطت سهواً، أو يحاكمني ببحور الشعر وأنا لم أسبح في بحور الفراهيدي بل سبحت في بحر الحياة؟! لقد خرجتُ من الصحراء، من الربع الخالي، وبنيتُ صرحي الفكري بنفسي.

ويا ليتنا نبحث عن همّ الأمة وتخلفها عن ركب الدول المتقدمة، بدلاً من التلهي بالقشور. يؤسفني أن أغلب المواقع ترفع شعار: ☆ لا كلام في الدين والسياسة ☆ مع أن نظام الحياة كله سياسة بتدبيره وعمقه! فالأب في بيته يمارس السياسة، والأم كذلك، ورب العمل، والفلاح في أرضه، وحتى ☆سايس الخيل ☆ يسوس خيله بالتدبير. فالأولى بنا أن نتعلم كيف نكون ساسة الأرض، وهذا ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد إصلاح المجتمع؛ ليصبح الناس سادةً لا عبيداً.

الخاتمة:

في النهاية، لا نريد أن نكسر أحداً ولا أن نُكسر، نريد فقط أن نُسمع، وأن يُحترم التعب.

الشهادة ورقة، والخبرة عمر، ولكن الموهبة التي صقلتها الحياة بالوجع هي التي تبقى. لا تسألوني عن بحور الفراهيدي، بل اسألوني عن بحر الحياة الذي سبحت فيه. لا تحاسبوني على نقطة، بل حاسبوني على فكرة غيّرت عقلاً أو أيقظت قلباً.

لأن القضية ليست أنا ولا أنت؛ القضية أمةٌ تخلفت لأننا انشغلنا بمحاسبة الحروف وتركنا هموم الوطن والإنسان. فلنعد إلى الفطرة، إلى الرحمة، إلى الكلمة التي تبني ولا تهدم، ولنتعلم كيف نكون ساسة الأرض كما أراد الله ورسوله.

ومن كان في قلبه ذرة إنصاف، سيعرف قيمة هذا الحرف العصامي ويقدره. أما من أغلقت الشكليات عينيه عن رؤية الحقيقة، فالحياةُ رحبة, والساحة تتسع للجميع، ولكل امرئٍ ما اختار لنفسه من سكة وطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى