مقالاتمنوعات

أخطر الآفات التي تنخر في جسد المجتمعات. بقلم / محمـــد الدكـــروري

أخطر الآفات التي تنخر في جسد المجتمعات

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

تعد الرشوة واحدة من أخطر الآفات التي تصيب بنية المجتمع وتفسد منظومة القيم، وتهدد العدالة وتكافؤ الفرص، كما تؤدي إلى تقويض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وتمثل الرشوة سلوكا منحرفا يتنافى مع مبادئ الدين والقانون، وينعكس سلبا على الإقتصاد والأخلاق العامة، ومن هذا المنطلق، تدرج حملة صحح مفاهيمك، حيث أن موضوعَ الرشوة ضمن أولوياتها في إطار تصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة السلوكيات الفاسدة التي تهدد كيان المجتمع، ولا شك أن الرشوة من أخطر الآفات التي تنخر في جسد المجتمعات، وتفتك بمنظومة القيم والأخلاق، فهي تفسد ذمة الفرد، ثم تمتد آثارها بعد ذلك لتقوض العدالة، وتهدر مبدأ تكافؤ الفرص، وتزعزع ثقة الناس في مؤسسات الدولة، وإذا استشرى هذا الداء وعمّ أثره غلبت المحاباة على الكفاءة، وضاعت الأمانات.

وإختلّ ميزان العدل الذي تقوم عليه حياة الأمم، وما كانت الرشوة وسيلة لتيسير المصالح كما يتوهم بعض الناس كلا، إنما هي معول هدم في المجتمع، فمن يأخذ الرشوة فقد خان الأمانة التي استؤمن عليها، ومن يدفعها مختارا ليظفر بما ليس له فقد أسهم في صناعة الفساد وترسيخ أسبابه، وما كان لمجتمع تباع فيه القرارات، وتشترى فيه الحقوق، أن ينهض أو يحقق تنمية حقيقية، ومن هنا، فإن القضاء على الرشوة يبدأ من رفضها في النفوس، وإمتناع الأفراد عن التعامل بها، وعدم السكوت على مرتكبيها، والإسهام في كشفها والإبلاغ عنها لأن مقاومة الفساد مسئولية جماعية، يتحملها كل فرد بحسب موقعه، وهذا ما حرصت الشريعة الإسلامية على بيانه وتوضيحه، فالرشوة هي كل مال أو منفعة تبذل لشخص ليحكم بغير الحق، أو يمتنع عن الحكم بالحق، أو ليؤدي عملا يجب عليه أداؤه دون مقابل.

وهي من صور الفساد التي جاءت الشريعة الإسلامية بتحريمها تحريما قاطعا، سواء صدرت من موظف حكومي أو من غيره لأنها تؤدي إلى ضياع الحقوق، وتعطيل مصالح الناس، وتحويل الوظائف والأمانات إلى وسائل للكسب غير المشروع، فلا تقضى الحاجات إلا لمن يدفع، ولا تمنح الحقوق إلا لمن يبذل المال، ولذلك عدّها الإسلام لونا من أكل أموال الناس بالباطل، ونهى عنها أشد النهي، فجمعت الآية الكريمة بين تحريم أكل المال بالباطل، وتحريم إستخدام المال للتأثير في أصحاب السلطة والقضاء من أجل اغتصاب الحقوق، وإن النص القرآني الكريم يدل على حرمة الرشوة، وقد سمّاها في موضع السحت، ويدل على أن الرشوة أكل لأموال الناس، وإفساد للحكم، وضياع للعدل، وأكد مولانا تبارك وتعالى على حرمة أكل مال الغير إلا أن يكون حلالا طيبا.

فبيّن أن الطريق المشروع لإكتساب الأموال هو الكسب الحلال القائم على الرضا، لا على الرشوة، ولا على الظلم، ولا على إستغلال النفوذ، حيث أن الرشوة كبيرة من الكبائر، وبالجملة فإعطاء الرشوة وأخذها من الكبائر، وكما أن الرشوة سبب للعذاب في الدنيا والآخرة، حيث لم يكتفي الإسلام بتحريم الرشوة وبيان قبحها، بل توعد أطرافها بأشد أنواع الوعيد لأنها جريمة تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، فتضيع بها الحقوق، وتشترى بها الذمم، ويقدّم غير المستحق على المستحق، ويشيع بسببها الظلم والفساد، ومن هنا كان الجزاء من جنس العمل، فكما أفسدت الرشوة حياة الناس في الدنيا، كانت سببا للعذاب في الدنيا والآخرة، فأما عذاب الآخرة فقد جاء فيه الوعيد الصريح، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ” الراشي والمرتشي في النار ”

وكما قال صلي الله عليه وسلم ” لعن الله الراشي والمرتشي ” واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، ولا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، كما توعد النبي صلي الله عليه وسلم آخذ الرشوة الذي جار في حكمه وحابى من دفع له، وأما عذاب الدنيا فإن الرشوة سبب لنزول العقوبات العامة، وذهاب الأمن، وإنتشار الخوف بين الناس لأن المجتمع الذي تباع فيه الأحكام وتشترى فيه الحقوق لا يمكن أن ينعم بالاستقرار، حيث يسلط الله عليهم الخوف والقلق، وتفشو بينهم الفتن، وتضطرب أحوالهم، لأن الظلم إذا انتشر ارتفعت البركة، وحلت العقوبات.

زر الذهاب إلى الأعلى