الاستنزاف العاطفي الناتج عن الاتهام المتكرر
(بين الخوف من الفقد والتهرب من المسؤولية…
متى يتحول الحب إلى عبء نفسي؟)
للكاتبة: نجلاء فتحي شوقي
من أشد أشكال الإرهاق النفسي أن تجد نفسك مضطرًا إلى إثبات مشاعر لم تتغير، والدفاع عن نوايا لم تحمل سوءًا، وتبرير تصرفات لم تقصد بها إهمالًا أو تقصيرًا.
وصف الظاهرة
————
أن تنشغل فتُتَّهم باللامبالاة، وأن تصمت فتُفسَّر على أنك متغير، وأن تحتاج إلى بعض الوقت لنفسك فيُساء فهم ذلك باعتباره فتورًا أو تراجعًا في المشاعر.
ومع تكرار الاتهامات، يتحول الحب من مساحة للأمان والاحتواء إلى ساحة مستمرة للدفاع عن النفس، ويصبح الإنسان منشغلًا بتبرير تصرفاته أكثر من استمتاعه بعلاقته.
التفسير النفسي للظاهرة
——————–
من الناحية النفسية، قد يرتبط هذا النمط بإبطال المشاعر وسوء تفسير السلوك، وقد يكون أحيانًا انعكاسًا للتعلّق القلق والخوف من الهجر. لكن المشكلة تتفاقم حين يصبح أحد الطرفين مسؤولًا عن إثبات حبه باستمرار، وعن احتواء مخاوف الآخر على حساب سلامه النفسي.
(فليس كل تأخر إهمالًا، وليس كل صمت جفاءً، وليس كل انشغال دليلًا على غياب الاهتمام)
ومن الإنصاف أن نحتوي مشاعر من نحب، لكن من الإنصاف أيضًا ألا نُحمِّل نواياه تفسيرات لم يقصدها، وألا نجعله متهمًا دائمًا في محكمة المشاعر.
أثر الاتهام المتكرر على الطرف الآخر
—————————-
إن تكرار الاتهام لا يصنع اهتمامًا، والشك لا يبني طمأنينة، والمطالبة المستمرة بإثبات الحب قد تستنزف أصدق المشاعر.
ومن أخطر آثار هذا النمط أنه قد يصنع بالفعل التغيير الذي كان الطرف الآخر يتوهم وجوده. فالشخص الذي كان هادئًا ومتسامحًا ومبادرًا قد يصبح أكثر عصبية وانفعالًا، ويحل الحزن محل عفويته، ويبدأ في الانطواء والابتعاد تدريجيًا، لا بالضرورة لأنه فقد مشاعره، بل لأنه أُنهك من كثرة التبرير والدفاع عن نفسه.
ومع الوقت، قد يفقد رغبته في الحديث والمشاركة، ويصبح الصمت بالنسبة إليه وسيلة لتجنب الخلاف، لا تعبيرًا عن الجفاء. وقد يتراجع حماسه للمبادرة والاهتمام، ويشعر بأنه مهما فعل فلن يكون كافيًا لإرضاء الطرف الآخر.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن الخوف المستمر من تغيّر مشاعر شخص ما، والضغط عليه لإثبات عكس ذلك، قد يسهمان في إحداث تغير حقيقي بداخله؛ فيتحول من شخص يبحث عن القرب إلى شخص يبحث عن الهدوء، ومن إنسان يُقبل على العلاقة بعفوية إلى إنسان يتعامل معها بحذر واستنزاف.
التهرب من المسؤولية العاطفية
————————-
ولا يمكن أن نغفل أن بعض الأشخاص قد يكونون مقصرين بالفعل، لكنهم يرفضون مواجهة تقصيرهم، فيلجؤون إلى تحميل الظروف أو انشغال الطرف الآخر مسؤولية الخلل في العلاقة، ويتخذون من سوء الفهم مبررًا للتهرب من مسؤولياتهم العاطفية.
فكما أن الاتهام المتكرر قد يظلم إنسانًا صادق المشاعر، فإن تبرير الإهمال بالظروف لا يجعله أقل إيلامًا. والوعي الحقيقي يبدأ حين يمتلك كل طرف شجاعة الاعتراف بتقصيره، دون اتهام الآخر أو الاحتماء بالأعذار.
الفرق بين التغير الناتج عن فقدان المشاعر والتغير الناتج عن استنزاف المشاعر
فقد يتغير سلوك الإنسان دون أن تتغير مشاعره بالضرورة؛ فقد يظل محبًا، لكنه يفقد عفويته وتلقائيته ورغبته في المبادرة، بسبب تراكم الخلافات والاتهامات.
فليس بالضرورة أن يكون فتور التعبير عن المشاعر دليلًا على انطفائها؛ فقد يكون أحيانًا نتيجة لتراكم الخيبات النفسية، وفقدان الشعور بالأمان داخل العلاقة.
العلاقات الصحية
—————
فالعلاقة الصحية لا تقوم على أن يظل أحد الطرفين متهمًا والآخر قاضيًا، بل على الثقة والحوار والقدرة على فهم الاختلاف والتماس العذر.
فمن حق الإنسان أن يطمئن إلى مشاعر من يحب، لكن من حقه أيضًا أن يُصدَّق، وألا يقضي عمره في إثبات صدق قلبه.








