إساءة المعاملة..
حين تصبح القسوة سلوكًا يوميًّا ويفقد الإنسان إنسانيته
بقلم/ إسراء إمام
ليست كل الجروح مرئية، وليست كل أشكال الأذى تترك أثرًا يمكن رؤيته بالعين، فبعض الجروح تصنعها كلمة قاسية، وبعضها تتركه نظرة استعلاء، وبعضها ينشأ من تجاهل متعمد أو معاملة مهينة تجعل الإنسان يشعر بأنه أقل قيمة من غيره. وقد يمضي المسيء في حياته ناسيًا ما قاله أو فعله، بينما يظل من تلقى الإساءة يستعيد الموقف في ذاكرته، ويتساءل عن السبب الذي جعل إنسانًا آخر يتعامل معه بهذه القسوة. ولعل أخطر ما يمكن أن يصل إليه أي مجتمع ليس انتشار الإساءة وحده، بل اعتياد الناس عليها، حتى تصبح القسوة سلوكًا مألوفًا، ويصبح احترام الآخرين استثناءً يستحق الإشادة بدلًا من أن يكون قاعدة إنسانية لا تقبل التفاوض.
لم تعد إساءة المعاملة ظاهرة يمكن حصرها في مكان بعينه أو فئة دون أخرى، بل أصبحت تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فنراها في الشوارع، ومؤسسات العمل، ووسائل المواصلات، والمصالح الحكومية، والمؤسسات التعليمية، وفي مختلف التعاملات التي يفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل. نراها حين يستغل صاحب سلطة موقعه لإهانة من هم دونه، وحين يتعامل موظف مع صاحب مصلحة باعتباره عبئًا لا إنسانًا له حقوق، وحين يظن شخص أن ارتفاع صوته يمنحه الحق في فرض رأيه، أو أن امتلاكه المال أو النفوذ يجعله أعلى شأنًا من الآخرين. وكأن بعض الناس نسوا أن اختلاف المواقع والظروف لا يلغي حقيقة واحدة، وهي أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ.
والمؤسف أن بعض الأشخاص لم يعودوا يميزون بين الحزم والإهانة، ولا بين قوة الشخصية والتسلط، ولا بين الاختلاف في الرأي والانتقاص من كرامة المخالف. فأصبح هناك من يبرر إساءته بأنه صريح، ومن يبرر قسوته بأنه لا يجامل، ومن يتعامل بتعالٍ ثم يصف ذلك بأنه ثقة بالنفس. والحقيقة أن الصراحة لا تحتاج إلى تجريح، والقوة لا تحتاج إلى استعراض، والاختلاف لا يمنح أحدًا رخصة لإيذاء الآخرين. فهناك دائمًا طريقة محترمة للتعبير عن الغضب، وأسلوب إنساني لرفض الطلبات، ووسيلة راقية لتصحيح الأخطاء، دون أن يتحول الموقف إلى معركة تمس كرامة أحد أطرافه.
إن إساءة المعاملة لا تبدأ دائمًا بفعل كبير، فقد تبدأ بتعليق ساخر، أو مقاطعة متعمدة، أو تجاهل لوجود شخص، أو استغلال لحاجته، ثم تتطور حتى تصبح نمطًا ثابتًا في التعامل. والأشد خطورة أن يعتاد الإنسان تلقي الإساءة، فيصمت عنها خوفًا من خسارة عمله، أو حفاظًا على مصلحة، أو تجنبًا لمواجهة لا يملك القدرة على خوضها. وهنا لا تتوقف المشكلة عند الشخص الذي يمارس الإساءة، بل تمتد إلى البيئة التي تسمح باستمرارها، وتمنح المسيء شعورًا بأنه يستطيع تكرار سلوكه دون مساءلة أو محاسبة.
وفي بيئات العمل تحديدًا، تتخذ إساءة المعاملة صورًا متعددة؛ فقد يظن بعض المسؤولين أن الإدارة تعني إصدار الأوامر دون نقاش، وأن الحفاظ على الانضباط يقتضي التقليل من شأن العاملين أو إحراجهم أمام زملائهم. وقد يتحول الخلاف المهني إلى إهانة شخصية، ويصبح الخوف وسيلة لفرض الالتزام بدلًا من التفاهم والعدالة. لكن الإدارة الناجحة لا تُقاس بمدى خوف الموظفين من مديرهم، وإنما بقدرتها على خلق بيئة تحترم الجميع، وتضمن الحقوق، وتسمح بتصحيح الأخطاء دون انتقاص من أصحابها. فالموظف الذي يشعر بالتقدير يكون أكثر استعدادًا للعطاء، أما الذي يعيش تحت وطأة الإهانة المستمرة فقد يفقد تدريجيًّا شعوره بالانتماء والثقة في نفسه وفي المكان الذي يعمل فيه.
ولا تقل إساءة المعاملة خطورة في الأماكن العامة، حيث تتحول أحيانًا أبسط المواقف إلى مشاهد من التوتر والعدوانية. فقد نشهد شخصًا يهين آخر لأنه أخطأ في الطريق، أو يتجاوز دوره ثم يعتدي لفظيًّا على من يطالبه بحقه، أو يتعامل مع عامل النظافة أو البائع أو سائق وسيلة النقل بنبرة لا يقبل أن يوجهها إليه أحد. وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: كيف يطالب بعض الناس بالاحترام لأنفسهم، بينما لا يرون ضرورة لمنحه للآخرين؟ وكيف تصبح الكرامة حقًّا شخصيًّا حين يتعلق الأمر بنا، لكنها تتحول إلى أمر ثانوي حين يتعلق الأمر بغيرنا؟
ومن أكثر الصور التي تكشف خللًا في بعض أنماط التفكير أن يقيس الإنسان قيمة الآخرين بما يستطيعون تقديمه له؛ فيحسن التعامل مع من يحتاج إليهم، ويتغير أسلوبه مع من يعتقد أنه لا يملك له نفعًا. وكأن الاحترام أصبح مصلحة متبادلة لا قيمة أخلاقية مستقلة. وهذا المنطق لا يصنع مجتمعًا متماسكًا، بل يخلق علاقات قائمة على الخوف والمنفعة، ويجعل الإنسان دائم القلق من أن تتغير معاملة الآخرين له بمجرد تغير ظروفه. فالذي يكرم صاحب المنصب ويتجاهل البسيط، لا يمارس احترامًا حقيقيًّا، وإنما يتعامل وفق حسابات المصلحة والمكانة.
ولا يمكن إغفال أثر الكلمات في تشكيل العلاقات الإنسانية؛ فالكلمة ليست مجرد صوت عابر، بل قد تكون سببًا في طمأنينة إنسان أو في انكساره، وقد تمنح شخصًا شعورًا بالتقدير أو تترك داخله إحساسًا بالمهانة. وربما لا يدرك من اعتاد السخرية من الآخرين أن ما يراه مزاحًا قد يكون بالنسبة إلى الطرف الآخر جرحًا حقيقيًّا، ولا يدرك من يتعمد التقليل من شأن غيره أن تكرار الإهانة قد يهز ثقة الإنسان بنفسه ويجعله يتردد في التعبير عن رأيه أو المطالبة بحقه. وليس من العدل أن نطالب الآخرين بتحمل ما نرفض نحن أنفسنا سماعه.
وقد امتدت هذه الممارسات إلى الفضاء الإلكتروني، حيث أصبح البعض يتعامل خلف الشاشات بقدر أكبر من القسوة والاندفاع، مستسهلًا إطلاق الأحكام والاتهامات والسخرية من الآخرين، وكأن غياب المواجهة المباشرة يلغي المسؤولية الأخلاقية. فتحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتنمر والتشهير والتجريح، وأصبح الاختلاف سببًا للهجوم بدلًا من أن يكون فرصة لتبادل الأفكار. ومن المؤسف أن يظن البعض أن حرية التعبير تعني امتلاك الحق في إهانة الآخرين، بينما الحرية الحقيقية ترتبط بالمسؤولية واحترام حقوق الغير، ولا تنفصل عنهما.
إن أسباب انتشار إساءة المعاملة متعددة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد؛ فقد تسهم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في زيادة التوتر، وقد يؤدي ضعف الوعي بالحقوق والواجبات إلى انتشار السلوكيات العدوانية، كما أن غياب المحاسبة في بعض البيئات يشجع على تكرار التجاوزات. وقد يكتسب الإنسان أساليب قاسية في التعامل من محيطه، ثم يعيد إنتاجها دون أن يتوقف لمراجعة نفسه. لكن فهم هذه الأسباب لا يعني تبرير الإساءة أو منح مرتكبها عذرًا دائمًا، فالضغوط التي يمر بها الإنسان قد تفسر غضبه، لكنها لا تمنحه الحق في تحويل معاناته إلى أذى يصيب الآخرين.
والأخطر من الإساءة نفسها أن تتحول إلى ثقافة تبررها العبارات الشائعة؛ فنسمع من يقول هذه طبيعته، أو لا تأخذ الأمور بحساسية، أو عليك أن تتحمل، وكأن سوء المعاملة صفة لا يمكن تغييرها، وكأن من يتعرض لها مطالب دائمًا بالتكيف معها. إن التسامح قيمة نبيلة، لكنه لا يعني قبول الإهانة، والصبر فضيلة، لكنه لا يعني التنازل عن الكرامة، وحسن الظن بالآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى باب مفتوح لاستمرار الأذى. فالتعامل الإنساني لا يقتضي أن نسمح للآخرين بتجاوز حدودهم، وإنما يقتضي أن نحفظ حقوق الجميع دون اعتداء.
ومن الضروري أن ندرك أن رفض إساءة المعاملة لا يعني التخلي عن الحزم أو التنازل عن الحقوق، بل يعني أن نمارس حقوقنا دون اعتداء، وأن نختلف دون تجريح، وأن نحاسب المخطئ دون إهانة، وأن نرفض الخطأ دون أن نتحول إلى صورة أخرى منه. فهناك فرق كبير بين أن تضع حدودًا واضحة وبين أن تهين، وبين أن تطالب بحقك وبين أن تنتقم، وبين أن تكون قويًّا وبين أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن قوتك المزعومة.
ولا يمكن أن ننتظر تغير المجتمع ما لم تبدأ المؤسسات والأفراد في التعامل مع هذه القضية باعتبارها مسؤولية مشتركة. فالمؤسسات مطالبة بوضع قواعد واضحة تمنع التجاوزات، وتضمن وجود آليات عادلة لتلقي الشكاوى ومحاسبة المخطئين، كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية لها دور مهم في ترسيخ ثقافة الاحترام وقبول الاختلاف. ولا ينبغي أن يظل الحديث عن الأخلاق مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بينما تتناقض معها الممارسات اليومية. فالقيم لا تُقاس بما نقوله عنها، وإنما بما نطبقه حين نمتلك القدرة على الاختيار والتصرف.
كذلك فإن إصلاح هذه الظاهرة لا يبدأ بانتظار تغير الآخرين وحدهم، بل بمراجعة كل فرد لطريقة تعامله مع من حوله. فقبل أن نطالب المجتمع بالاحترام، علينا أن نسأل أنفسنا كيف نتعامل مع من لا نحتاج إليهم؟ كيف نخاطب من هم أقل منا سلطة؟ وكيف نتصرف عندما نمتلك القدرة على رفض طلب أو اتخاذ قرار يؤثر في حياة شخص آخر؟ وهل نعتذر عندما نخطئ، أم نبحث عن مبررات تجعلنا دائمًا على صواب؟ فالمعدن الحقيقي للإنسان لا يظهر حين يتعامل مع من يخشاه، وإنما يظهر حين يتعامل مع من لا يملك إجباره على حسن المعاملة.
إن بناء مجتمع أكثر احترامًا لا يتطلب أن نتفق جميعًا في الأفكار والآراء، ولا أن تختفي الخلافات من حياتنا، بل يتطلب أن نتعلم كيف ندير اختلافاتنا دون أن تتحول إلى خصومة شخصية، وكيف نطالب بحقوقنا دون أن نسلب الآخرين حقوقهم، وكيف نختلف دون أن ننسى أننا في النهاية بشر تجمعنا حياة واحدة ومصالح مشتركة. فالمجتمع الذي يحترم أفراده بعضهم بعضًا يكون أكثر قدرة على التعاون، وأقل عرضة للصراعات التي تستنزف طاقته وتضعف روابطه.
وفي النهاية، قد ينسى الإنسان كثيرًا من المواقف التي مر بها، لكنه نادرًا ما ينسى كيف جعله أحدهم يشعر، فقد تمر كلمة عابرة على لسان قائلها في ثوانٍ، لكنها تظل عالقة في ذاكرة من تلقاها سنوات. ولذلك فإن الكلمة مسؤولية، والتصرف مسؤولية، والموقع الذي نمتلكه في حياة الآخرين مسؤولية أكبر مما نتصور. ولسنا بحاجة إلى مجتمع لا يخطئ أفراده، بل إلى مجتمع يعترف فيه المخطئ بخطئه، ويجد فيه المظلوم من ينصفه، ولا يُترك فيه الإنسان وحيدًا أمام من يستغل ضعفه أو حاجته.
فالرقي الحقيقي لا يظهر في المظاهر ولا في الألقاب ولا في حجم ما نملكه، وإنما يظهر في قدرتنا على احترام الإنسان حتى عندما نختلف معه، وفي طريقة تعاملنا مع من لا ننتظر منهم مقابلًا. فإذا كانت المكانة تمنح الإنسان سلطة، فإن الأخلاق وحدها هي التي تمنحه قيمة، وإذا كان بإمكاننا أن نفرض حضورنا بالقوة، فلن نستطيع أن نكسب احترام الآخرين إلا بحسن المعاملة، لأن الإنسان قد ينسى ما قدمناه له، لكنه لن ينسى أبدًا كيف عاملناه.








